بري: المقاومة ستبقى ضرورة لبنانية وكانت نتيجة تقاعس الدولة والعرب
لا تناموا على حرير فالأسلحة والأموال تتدفّق على الشمال… وحذار الخطأ في الحسابات
حمل رئيس مجلس النواب نبيه بري الزعيم الليبي معمر القذافي المسؤولية الشخصية عن إخفاء الامام موسى الصدر. ورفيقيه، واتهم اسرائيل بأنها تسعى الى تغيير مهمة "اليونيفيل" وتريد تحويلها حرس حدود لها، واعتبر ان المقاومة كانت وستبقى ضرورة لبنانية، وهي كانت نتيجة تقاعس الدولة والتقاعس العربي عن دعم لبنان والعجز العربي".
واشار الى ان فشل الحرب الاسرائيلية على لبنان عام 2006 أدى الى مخطط الفوضى عبر التوترات الطيارة والفتن الطائفية والمذهبية، وسأل: "لماذا لا يعطى الجيش والدولة إمكانية التحرير ولماذا تمر الطلبات على إسرائيل قبل ان تصل الى لبنان".
وعن التوترات التي شهدتها مدينة طرابلس قال بري: نعرف حجم الاموال التي تدفع شمالا ويمينا، وهناك حركة أسلحة تتدفق على الشمال".
وحذر من "ان اي خطأ في الحسابات سوف يؤدي الى جعل لبنان ساحة من ساحات الحرب الباردة". واضاف: "إلى من يراهن على ضربة لايران او اسقاط النظام السوري او ضرب المقاومة نقول: كفى مراهنات خاطئة وكفى مراهنة على حركة الاساطيل".
مواقف بري هذه جاءت في الكلمة التي القاها في المهرجان الشعبي الذي اقامته حركة امل بعد ظهر امس في مدينة النبطية، في الذكرى الثلاثين لتغييب الإمام السيد موسى الصدر ورفيقيه،ووما جاء فيها:
في هذه اللحظة السياسية اقول للبنانيين لا تناموا على حرير، بل ناموا بعين مفتوحة واسمحوا لي عكس الماضي ان استبدل بيع الامل ببيع الحذر، وان اصارحكم ان اسرائيل والارهاب وجهان لعملة واحدة يريدان النيل من لبنان ومن نظامه الامني ومن قطاعاته المتنوعة خصوصا السياحية والمصرفية والاستثمارات والتدفقات المالية التي تستعد للتوجه الى لبنان. في هذا المجال ابدي خشيتي وقلقي مما يحصل على حدود الوطن وعلى حدود المجتمع. في هذا الاطار فإننا ندعو الى اخذ مختلف التهديدات الاسرائيلية على محمل الجد والحذر والتنبه الى ما تروجه وزارة الحرب الاسرائيلية بشخص وزيرها ورئيس اركانها حول حركة منظومات اسلحة للدفاع الجوي وغيرها عبر الحدود الى المقاومة في لبنان، خصوصا ان ذلك ترافق مع مناورات عسكرية، اذا كنتم خائفين من الصواريخ ان تأتي الى حزب الله والمعارضة فالامر بسيط، اوقفوا طائراتكم وخرقها لاجوائنا اما ان تتكرر طلعاتكم فهذه قسمة ضيزي. انني انبه الى اي تحد قد تفرضه اسرائيل على حدود الوطن لتحويل الانتباه عن صراع الذئاب في كاديما والليكود والعمل وبينهم عدد من الجنرالات على تركه اولمرت.كما انني احذر من ان اسرائيل تسعى الى تغيير مهمة قوة الطوارىء الدولية وقواعد الاشتباك التي تلتزمها، وهي تريد اما تحويل اليونيفيل الى حراساً لحدودها او تطيير القرار الدولي 1701.انني اذ ارحب بالقرار الدولي 1832 الذي يجدد تفويض قوة اليونيفيل حتى نهاية آب 2009، احذر محليا من تقديم الخدمات المجانية لاسرائيل عبر تناول التزامات لبنان تجاه تنفيذ القرار 1701 ودور اليونيفيل. واقول باختصار ان العلاقة القائمة بين الجيش اللبناني واليونيفيل في اطار القرار 1701 ممتازة واهالي الجنوب واليونيفيل ما زالوا يتقاسمون الحلو والمر وليس لدينا اي التباس تجاه دور هذه القوات ومهماتها.
ضرورة المقاومة
بالعودة الى التهديدات الاسرائيلية اؤكد بكل ثقة ان مقاومتنا وجيشنا وشعبنا سيتمكنون من ردع اي عدوان. وهنا لا بد لي من ان اجدد القول او اذكر:
1 – ان المقاومة كانت ولا تزال وستبقى حاجة وضرورة لبنانية لاننا ازاء اسرائيل التي جعلت من لبنان على الدوام حقل رماية بالذخيرة.
2 – ان المقاومة كانت نتيجة للعدوان الاسرائيلي الذي لم يتوقف يوما منذ عام 1948 وخصوصا منذ عام 1978 رغم اتفاقية الهدنة، والذي يستمر الآن عبر الخروق اليومية للاجواء والمياه الاقليمية اللبنانية، على رغم عطش ما يسمى بالشريط الحدودي وعبر حقول الموت المتمثلة بالالغام، ودائما عبر استمرار احتلال مزارع شبعا وتلال كفرشوبا. ويكفي ان اذكر حتى لا يقولوا ان المقاومة تأتي بالدب الى كرمنا، بان اكثر من سبعة وستين اعتداء حصل على لبنان قبل حلول عام 1965، اي قبل نشوء اي مقاومة لبنانية كانت ام فلسطينية.
3 – ان المقاومة كانت نتيجة تقاعس الدولة وترك الجنوب وكل لبنان بدون دفاع، وأبلغ صورة لمرحلة السبعينات العدوان الاسرائيلي على مطار بيروت الدولي والذي دمرت خلاله الطائرات المدنية على ارضه، والعدوان على عاصمته التي انتهكها وزير الدفاع ذاته الاسرائيلي اليوم ايهودا باراك الذي قاد عملية اغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة في بيروت.
4 – ان المقاومة كانت نتيجة التقاعس العربي عن دعم لبنان وعن الوفاء بالالتزامات العربية تجاه لبنان، وعن العجز العربي عن التزام اتفاق الدفاع العربي المشترك ليس تجاه لبنان فحسب بل تجاه كل القضايا المتعلقة بالامن القومي.
5 – في اطار مسألة وفكرة ومشروع وسلاح المقاومة، لا بد من توجيه انتباه وعناية الجميع الى ان فشل الحرب الاسرائيلية على لبنان صيف عام 2006 في القضاء على المقاومة وإسقاط نظرية الردع الاسرائيلية، أدى الى إطلاق مخطط الفوضى البناءة عبر مشاريع الفتنة الطائفية والمذهبية وإثارة التوترات الطيارة بهدف التضييق على المقاومة وإضعافها، وإيجاد الشرخ بينها وبين الدولة وبينها وبين شعبها وطوائفه ومذاهبه وجهاته وفئاته، وصولا الى تحديد اقامتها اذا جاز التعبير ووضعها في المتحف.
ان الحل لهذه المسألة هو بالدولة التي تقوم على شعار الوحدة الوطنية، والتي تتبنى فعلا كل أهداف التحرير التي وردت في البيان الوزاري والتي هي اهداف المقاومة.اما كيفية عمل المقاومة وأسلوب عملها وموقعها في استراتيجية الدفاع كي لا يتكرر او يقع حادث، فانه يحتاج الى وضع صيغة تتضمن وجود: لجنة بين الجيش والمقاومة لمتابعة الامور الميدانية وتنسيق الخطوات، بما يحفظ السيادة ويؤمن تحرير الارض والحقوق سواء بالديبلوماسية او بالمقاومة تماما. اننا في هذا المجال نقول بكل صراحة، لم يحصل في التاريخ ان شعبا استطاع ان يحرر ارضه من غاصب محتل الا تلقى مؤازرة من صديق او حليف.
والسؤال ليس لماذا الجمهورية الاسلامية في ايران او هذا البلد او ذاك يساعد في التحرير، بل فالشكر لكل بلد ساعد ويساعد في التحرير، بل السؤال لماذا لم تعط الدولة اللبنانية والجيش امكانات التحرير. بل لماذا لا تعطى امكانات الدفاع ولماذا يجب ان تمر "الطلبية" على اسرائيل وعلى رضى اسرائيل قبل ان تصل الى لبنان وبالتالي لا يصل شيء الى لبنان الا ما يشعل الداخل ويطفى جذوة التحرير.
اننا في مسألة المقاومة نقول: ان ما من مقاومة في الدنيا الا سعت الى الدعم المالي والمساندة المعنوية ومصادر التسليح، ولكم في أمثولة المقاومة الفرنسية التي كان احد العظماء الفرنسيين الجنرال ديغول العظيم احد رموزها دروس وعبر، حيث ان المشكلة لم تكن في مصادر الدعم الانكليزية للمقاومة الفرنسية النظامية وشبه النظامية، بل كانت المشكلة هي (الجنرال بيتان) الذي اخذ المساعدات وتلقى الدعم من المحتل والذي خان معنى ان يكون.
تحذير من العصبيات
هذا على حدود الوطن، اما بالنسبة الى ما يحصل على حدود المجتمع، فاني أجدد تحذيري من العودة الى خلق عصبيات طائفية او مذهبية مسلحة، عبر التوترات الطيارة المتنقلة من العاصمة الحبيبة بيروت الى البقاع الغربي، الى محاولة جعل الشمال وخصوصا عاصمته الشهباء طرابلس ساحة لتصفية الحسابات المحلية الطائفية او المذهبية او السياسية وكذلك ساحة لتصفية السياسات الاقليمية. اننا نعرف حجم الاموال التي تدفع ذات اليمين وذات الشمال، ونعرف كما يعرف جميع القادة في لبنان على المستويين الرسمي والحزبي، ان هناك حركة للاسلحة والعتاد الحربي تتدفق على شوارع وأحياء في الشمال، كما في اتجاه ميلشيات في غير منطقة لبنانية. اننا ندعو الشماليين من كل القوى الى تفويت الفرصة والتزام ما اتفق عليه مرتين في منزل سماحة المفتي الشيخ الشعار، ونقول انه في تلك الحروب الصغيرة التي جرت على بعض خطوط تماس الاحياء ان لا احد يمثل المعارضة ولا احد يمثل الموالاة او الاكثرية، وان ما يجري هناك حرب بين الفقراء على حد وصف صحيفة "السفير"، وان اهالي باب التبانة كما اهالي جبل محسن والقبة ومخيم البداوي، يحتاجون الى الخدمات ودور الدولة التنموي، لذلك ادعو الى حالة طوارئ انمائية للمدينة والى عكار وبعلبك – الهرمل حديقتها الخلفية.
وأود ان يسمعني الجميع جيدا الغائب قبل الحاضر، اننا في ما جرى ويجري من احداث وتوترات ومحاولات لتحويل لبنان جغرافيا متقاطعة لطوائف ومذاهب، نقول ان لا احد لا طائفة ولا مذهب، ولا فئة يمكنها احتكار اي بقعة جغرافية في لبنان، ونقول نعم لا احد يمكنه احتكار الحدود او مسألة الحرب او السلم او المقاومة، كما ان لا احد يمكنه احتكار العاصمة او اي مدينة وتطويبها وجعلها منزوعة من المواطنين الذين لا ينتمون الى الاكثرية فيها. وأذكر ان العديد من المدن الكبرى من طرابلس الى اعالي جبل لبنان الى بيروت الى البقاع وجزين وغيرها غيرت عبر مراحل تاريخية لبوسها الطائفي او المذهبي لأسباب تتعلق بأمن الناس وحياتهم، وما شهدوه من الاطماع الرامية الى محاولة توسيع جغرافيا الامارات. انني لذلك اود ألا تتواصل عملية التكاذب حول امارات تأسيسية للبنان ومحاولة جعل ذكاء اللبنانيين رهينة الشرنقة ودودة القز التي استوردت من ايطاليا، لبناء اقتصاد امارة الوهم التي اتسعت على حساب المجازر المرتكبة ضد جغرافيا الجوار وضد حسن الجوار، والتي كانت كلها تقع تحت سقف سيف السلطنة الطويل الدولة آنذاك، او كانت تخدم سياسات القناصل، بينما المقاومون أطلق عليهم آنذاك رجال العصابات كما يطلقون علينا اسم الميليشيات.
صدقوني لولا هذه الميلشيات لما كان احد في العالم ينظر الى لبنان. لقد بات واجبا علينا ان نرحم ذاكرة اللبنانيين، اذا لم نقل نعيد بناءها لحساب لبنان، الفكرة ولبنان الرسالة الذي يمثل ضرورة لبنانية اولا وضرورة وحاجة عربية ثانيا، وثالثا ضرورة وأنموذجا دوليا للتعايش في القرية الكونية. هذا الذي كان يؤمن به الامام الصدر.
تحديد مفهوم المواطنية
انني في هذا الاطار أدعو الى تشكيل هيئة وطنية تعمل على تحديد مفهوم موحَّد وموحِّد للوطن والمواطن والمواطنية والعاصمة والحدود، وأجزم ان إنجاز مثل هذه المهمة يمثل معجزة لبنانية شبيهة باتفاقي الطائف والدوحة معا، لأنها تزيل كل شك او قلق او اضطراب في عملية بناء ثقة المواطنين بعضهم ببعض وببناء ثقة المواطنين بالدولة وبأدوارها، وهي تكون الهيئة الوطنية التي تدرس السبل الآيلة الى إلغاء الطائفية السياسية التي نص عليها اتفاق الطائف، وهي طبعا غير الهيئة الوطنية التي نص عليها الاتفاق.
اننا في المسألة الاقتصادية – الاجتماعية ننبه الى ان عدد اللبنانيين الذين يقعون تحت خط الفقر آخذ بالارتفاع، وان مساحات المناطق المحرومة آخذة بالاتساع، واننا نتخوف على أبواب العام الدراسي وفصل الشتاء من مواجهة أزمة كبرى ناتجة من عدم قدرة الشريحة الكبرى من المواطنين، خصوصا في المناطق الجبلية من الحصول على وسائل تدفئة سواء عبر المشتقات النفطية: المازوت والغاز، وكذلك عدم قدرتهم على شراء الحطب والفحم الذي هو في الغالب ثمرة كبرى للاعتداءات على الثروات الحرجية في لبنان وثمنا للحرائق المفتعلة كل عام، ان كل ما تقدم يستدعي الاهتمام المسبق والمعالجات الحكومية الضرورية. وفي المجال نفسه وعلى مستوى المعالجات القطاعية للأزمات وفي الطليعة ازمة المياه في البقاع وعكار والجنوب وأزمة الكهرباء، وما دامت الدولة تثبت يوما بعد يوم انها منتج فاشل للكهرباء، وما دامت شركة كهرباء لبنان تواصل استنزاف موارد الدولة على النحو الذي جرى حتى انطلاقة هذه الحكومة، نتساءل وانا لست من مؤيدي الخصخصة في شكل مطلق: لماذا تتأخر خصخصة قطاع توليد وانتاج وبيع الطاقة الكهربائية.
ايها الاعزاءعلى المستويين الدولي والاقليمي وما ينعكس على لبنان، لا بد من الاشارة الى التطورات الدولية التي تسير بوتيرة عالية والتي أشعلت أحد محاور الحرب الباردة انطلاقا من اوسيتيا وابخازيا على الحدود الروسية. والحقيقة انه ليس انطلاقا من هنا بل الى كوسوفو. ان المسؤولية في ما جرى ليست بعيدة عن التدخلات الاميركية والاسرائيلية في شؤون تلك المنطقة، إذ اعترفت مصادر اسرائيلية انه حتى يوم اندلاع الحرب في اوسيتيا كان أكثر من عشرين ضابطا اسرائيليا في الاحتياط يعملون في مجال بيع الخبرات الحربية، أي باختصار يعملون في مجال تصدير الحرب، اضافة الى وزيرين يحملان الجنسية الاسرائيلية في حكومة جورجيا أحدهما وزير الدفاع. ان اخذ روسيا للخيار العسكري في تلك المنطقة أظهر ان العالم ضج من الدرع الصاروخية ومن الأحادية الاميركية في صناعة السياسات الدولية. ان الوقائع العسكرية التي جرت في تلك المنطقة وخطط التهدئة والتسوية المقترحة ستنعكس حتما من الآن فصاعدا على صناعة القرارات الدولية، خصوصا المتصلة بالشرق الاوسط والملف النووي الايراني، لذلك ندعو اللبنانيين بصفة خاصة الى مواصلة كسب الوقت والفرصة التي التقطها لبنان في اللحظة الاخيرة، والمتمثلة باتفاق الدوحة واستكمال تنفيذه كاملا وصولا الى العلاقات الديبلوماسية مع سوريا التي نرحب بها آملا ان تفتح صفحة جديدة ليس بين البلدين بل بين الشعبين ايضا. انني هنا أحذر من ان أي خطأ في الحسابات او في الوقت او في المكان او في الموقف سوف يؤدي الى جعل لبنان ساحة من ساحات تصفية آثار الحرب الباردة. ونقول لمن لا زال يراهن على ضربة عسكرية ساحقة لإيران، او يراهن على عمل لتغيير النظام السوري او يراهن على ضربة نار كبرى للمقاومة في لبنان تقيمها ولا تقعدها وتجعل الرأي العام اللبناني يعتبرها مصدر تهديد لوجوده وأرزاقه ومصالحه، نقول لهؤلاء كفى رهانات خاطئة. كفى مراهنة على حركة الاساطيل، فبرويز مشرف كما شاه ايران لم يجد من يعطيه لجوءا سياسيا. ولعل اسرائيل وجدت من اجل النفط وشعار "من الفرات الى النيل" (يرمز الى) طرق الامداد لهذا النفط".