الفقرة المسمومة!
في مهرجان الامام المغيب موسى الصدر كانت كلمة للرئيس نبيه بري حفلت بالكثير من المواقف السياسية المرتبطة بالراهن من السياسة. وعدا ان الغائب الوحيد حقيقة وفي اعمق الاعماق كان الامام موسى الصدر (إسألوا السيدة رباب الصدر وبقية العائلة في لحظة بوح وجدانية)، لم يكن من جديد في الكلمة، لا في الدفاع عن موقف امتلاك السلاح من خارج الشرعية ورغماً عن غالبية لبنانية موصوفة، ولا في الحديث عن التهديدات الاسرائيلية وهي حقيقية، بينما غاب الحديث عن التهديد الداخلي، وهو الآخر حقيقي ويتصل بسعي فئة الى غلبة مبينة على القوة ومنطقها على حد سواء، كانت غزوات ايار الماضي وما تلاها من اعتداءات حتى يومنا هذا خير مثال عليه.
ولم يتطرق رئيس مجلس النواب الى مصدر الصدع الاساسي في البناء الوطني المتمثل بخروج فئة على الاجماع الوطني من خلال بنائها دولة فوق الدولة، ونشرها "ثقافة" في بيئتها لن تفضي إلا الى استيلاد حروب داخلية مديدة مع مختلف البيئات اللبنانية الاخرى، وذلك على مدى السنوات العشرين المقبلة. فالمشروع لا يقدم الى بيئته سوى حروب ومزيد من الحروب الى ما لا نهاية.
لا تهمنا هنا مناقشة كل ما ورد في خطاب رئيس حركة "أمل" نبيه بري انما نريد ان نلقي الضوء على اخطر فقرة من الخطاب حاول فيها بري ان يعيد كتابة تاريخ لبنان على قاعدة جديدة، ومن خلال تلك الفقرة يبدو انه يقرأ الحاضر (الانقلاب) على انه ثأر من "لبنان الامارة" التي يصفها بـ"امارة الوهم التي اتسعت على حساب المجازر المرتكبة ضد جغرافيا الحوار، وضد حسن الحوار". أليس في ما تقدم نَفَسُ ثأر من "جبل لبنان" المؤسس للكيان اللبناني، ولفكرة لبنان على نواقصها، وعلى صداماتها الداخلية في القرن التاسع عشر؟ أليس في هذا الكلام محاولة لإعادة صوغ فكرة لبنان من خارج ينابيعها التاريخية؟ ألا تشكّل هذه القراءة الثأرية منبعاً لتبرير دفع فئة لبنانية الى الخروج على الاجماع باعتبار انها تثأر من التاريخ اللبناني؟ فمهما حاول بري او غيره لن يمكنهم ان يغيروا حقيقة ان منبع الكيان اللبناني كما نعرفه اليوم (والذي يتعرض لأخطر تحد منذ 1920) هو كيان الامارة في جبل لبنان، وان البيئة المتنوعة للامارة هي التي صنعت بالحروب وبالتوسع، وبالسلم والاقتصاد، لبنان الكيان. فلم تكن الامارة يوماً وهماً. ولو كانت كذلك يا دولة الرئيس لامكننا القول ان بلاد الشام كانت كلها وهماً بوهم: من سوريا، الى العراق، ففلسطين كلها كانت ولايات محكومة بسيف السلطنة الطويل. وحده جبل لبنان استطاع ان يبني قرناً بعد قرن كياناً متميزاً، ومنه كانت فكرة لبنان التي يفترض انك تنتمي اليها اليوم. وطن التنوع والتعددية، والتوازنات الحساسة جداً. والوطن الذي لا مكان فيه لمطلق اي غلبة مهما تجلببت بجلباب الدين والغيبيات لاغواء الجمهور وحمله على التصادم مع الآخر. لا يا دولة الرئيس، لبنان الامارة لم يكن وهماً، ومثلها ما كانت تضحيات اجدادنا منذ مئات السنين على هذه الارض وهما، عندما كسرت الجبال وطوعت الحجر وبنت نمط حياتها على الحرية ومهدت لروح الاستقلال اللبناني ليقوم، وهذا حتماً ليس بوهم، ولن يكون!
ان الفقرة في خطاب الرئيس نبيه بري التي استوقفتنا ينبغي ان تستوقف كل الاستقلاليين. ففيها الاساس التاريخي لفكرة مظلومية تاريخية يريد بعضهم ان يقدم عبرها المبررات لمحاولة اخضاع اللبنانيين وكسر روح الاستقلال فيهم. وهذا لن يحصل.