مبدأ بري: كيف نخرج من الاحتكار؟
الرئيس نبيه بري ينتقل من (بيع الأمل) الى (بيع الحذر). ليس لأن الواقع يجعل سوق الحذر أكثر ازدهاراً من سوق الأمل بل لأن الوقائع تفرض منطقها. فما تغير بين خطاب بعلبك وخطاب النبطية ليس عمق الأزمة، حيث الخطر، بل الحركة على سطحها، حيث الفرصة. والثابت هو الذكرى السنوية لتغييب الامام موسى الصدر والشيخ محمد يعقوب والزميل عباس بدر الدين في ليبيا، وانتظار ما يقوله الرئيس بري. قوة الذكرى تكبر كل سنة، خلافاً للمعتاد، بحيث تبدو الذكرى الثلاثون أقوى من الذكرى الأولى. وخطب رئيس (حركة أمل) هي نوع من رسالة عن حال لبنان والمنطقة.
وما أبعد المسافة بين لبنان اليوم ولبنان الذي عمل له الامام الصدر. سواء بالنسبة الى الإطار الوطني أو بالنسبة الى دور الشيعة اللبنانيين العرب وموقعهم في المشروع العام من دون أن يكون لهم (مشروع خاص) في تعاليم المدرسة التي حمل لواءها من بعد الامام الصدر الامام الراحل محمد مهدي شمس الدين. وسواء حيال مقاومة الاحتلال الاسرائيلي أو تجاه الخروج من الحرمان الذي تعانيه الأكثرية في كل الطوائف.
وما أغرب حال العرب الذين يفقدون الوزن والدور على المسرح الإقليمي الذي اقتحمه اللاعب الأميركي، ويبحث اللاعب الأوروبي عن دور فوقه، وسط تنامي أدوار اللاعبين الايراني والتركي والاسرائيلي، والرهانات على عودة اللاعب الروسي الى ما يتجاوز مسرح القوقاز. ولا شيء يعبر عن المضحك – المبكي في حال العرب أكثر من رؤية العقيد القذافي الذي أصدر القضاء اللبناني مذكرة توقيف في حقه بتهمة إخفاء الامام الصدر ورفيقيه، يكمل 39 سنة في السلطة وهو يتحدث عن الثورة والوحدة العربية، لينتهي الى تسمية نفسه (ملك ملوك افريقيا) في مبايعة قبلية مسرحية.
وليس أمراً بلا دلالات أن يجمع الرئيس بري بين خطرين يحذر منهما: (اسرائيل والارهاب). ولا أن يقترح تأليف هيئة وطنية لتحديد (مفهوم موحَّد وموحِّد للوطن والمواطنية وإلغاء الطائفية السياسية)، بصرف النظر عن الأخذ والرد حول اقتراح (لجنة من الجيش والمقاومة لمتابعة الأمور الميدانية وتنسيق الخطوات). لكن المشكلة أن الواقع يبدو معاكساً للمبدأ المهم الذي أعلنه، وهو انه (لا أحد، لا طائفة، لا مذهب، ولا فئة يمكنها احتكار أية بقعة جغرافية أو احتكار الحدود والعاصمة ومسألة الحرب والمقاومة). فالاحتكار الجغرافي والطائفي والمذهبي قائم. والمقاومة حزبية مذهبية، ولو كان دورها وطنياً. ولا أحد يعرف كيف يبدأ تطبيق هذا المبدأ المهم، مع أن تطبيقه هو أقصى ما يطلبه أي مواطن.