في بلاد "يا مسهّرني"؟
… ولكن من الذي ينام على حرير في هذا البلد السعيد يا دولة الرئيس؟
ليس هناك من الناقورة الى النهر الكبير من ينام على حرير، او من يتسنى له النوم وسط هذا الطوفان من القلق والمخاوف. وقد اختلطت التهديدات الخارجية بالرعونة الداخلية فأصبح النوم ممنوعا حتى ولو كان سيتم بعيون مفتوحة!
لم يكن مفاجئا لأحد ان يعمد الرئيس نبيه بري في الذكرى الثلاثين لتغييب الامام موسى الصدر، وهو ايضا التاريخ الذي نشطت فيه محاولات تغييب لبنان وإلغائه، الى حث اللبنانيين على استبدال "الأمل" الذي دأب على تسويقه بـ"الحذر" الذي يسيطر عليهم وسط هذه الازمة المتطاولة التي تستنسخ فصولها ووقائعها في شكل بات يدعو الى اليأس المطبق.
❐ ❐ ❐
اذا كان رئيس مجلس النواب قد حدد مكامن الخطر والتهديد في وجهي العملة الواحدة، اي اسرائيل والارهاب، فان من الملائم اضافة وجه ثالث هو أسوأ من الوجهين المذكورين. والمقصود هنا الانقسام العميق والخلافات الجذرية التي تعصف باللبنانيين، لان الوحدة المرصوصة والصلبة بينهم هي السلاح الاقوى لمواجهة اسرائيل والارهاب وكل الاخطار الاخرى.
وفي استطاعة اي مواطن لبناني اتيح له ان يعرف فكر الامام المغيب وعمق رؤيته الوطنية، ان يستحضر طوفانا من المواقف والاقوال والخطب التي حرص الصدر دائما على جعلها منطلقا للدعوة الى "وحدة صوّانية" متينة بين اللبنانيين لو كانت قد توافرت لنا، لم يكن لبنان ليذهب قبل 30 عاما الى الحرب الاهلية نيابة عن الآخرين او ليخوض حروب الآخرين على ارضه. ولم يكن ايضا ليعود الآن الى قرع ابواب الحرب الاهلية على ما شهدنا ونشهد اخيرا، بما يؤكد ان الحرب لم تتوقف عندنا ولكنها استمرت في جولاتها التي قد لا تنتهي قبل ان يتداعى السقف على
رؤوس الجميع.
❐ ❐ ❐
ان الحديث عن اخطار اسرائيل والارهاب التي تتهدد لبنان، لا يشكل اكتشافا. انه امر معروف ومفهوم وهناك اجماع لبناني حقيقي عليه رغم ان التراشق السياسي البغيض بين اللبنانيين وصل بالبعض الى حد اتهام الشركاء في الوطن بالخيانة والعمالة لاسرائيل، اولئك الشركاء الذين يتم الجلوس معهم الآن تحت لافتة خادعة اسمها حكومة الوحدة الوطنية.
الاكتشاف الحقيقي هو الذي يقود اللبنانيين فعلا على طريق الوحدة الراسخة والنهائية. ويجد ترجمة مفهومة مقنعة وموضوعية يلتزمها الجميع، ترجمة لعنوان بسيط لكنه مصيري وعميق، اي كيف نكون فعلا عند محتوى عنوان النشيد الذي نقف له جميعا في الاستعراضات والعراضات لا انطلاقا من القلب والعقل، اي: "كلنا للوطن".
❐ ❐ ❐
كلام رومانسي واهم ومن كعب الدست طبعا. ولكن ما يدفعنا الى مثل هذا القول ليس تحذير الرئيس بري من حركة التسلح في البلاد. او من العودة الى خلق عصبيات طائفية ومذهبية دون ذكر الاسباب الواقعية التي استدعت كل هذا، بل مطالبته بـ"تشكيل هيئة وطنية تعمل على تحديد مفهوم موحَّد وموحِّد للوطن والمواطن والمواطنية العامة والعاصمة والحدود…".
ولكأننا من اتفاق الطائف الى اتفاق الدوحة مرورا بكل ما سمعناه من معلقات الوحدة الوطنية منذ 1990 على الاقل، لم نهتدِ بعد الى مفهوم للوطن والمواطن والمواطنية. هذا باعتبار ان هناك حاجة مستجدة لتحديد "مفهوم" العاصمة والحدود!
واذا كنا ذاهبين الى الحوار الوطني الذي يفترض ان يبدأ في اقرب وقت ممكن، وبأعلى درجة من تحسس المسؤولية في هذه الظروف الدقيقة التي تضعنا امام "عملة إخطار" لها ثلاثة وجوه كما قلنا لا وجهان فحسب، فليس من الضروري تشكيل هيئة وطنية لتحديد هذه المفاهيم التي يفترض ان تحددها طاولة الحوار الوطني كأساس وحيد وضروري للاتفاق على الاستراتيجية الدفاعية والامور الاخرى.
❐ ❐ ❐
في اي حال عندما دعا الرئيس بري اللبنانيين الى ان لا يناموا على حرير بل بعين مفتوحة، سارع البعض الى التعليق بالقول ولكن من الذي يستطيع النوم بعد في "بلاد يا مسهّرني". اما البعض الآخر فقد راح يدندن: "بقالي يوم ما شفت النوم"، بينما استذكر آخرون اغنية شريفة فاضل التي تقول:
على مين على مين على مين
على مين يا سيد العارفين
بتبيع الحب لمين
ان كنت جاي تغني
روح اسأل قبله انا مين
متروحش تبيع المية في حارة السقايين!