العمل من أجل طرابلس.. والعمل من أجل لبنان
يوم طرابلس، بالسرايا الحكومي، والذي أعلن عنه رئيس الحكومة، هو أمر محمود، وكان ينبغي أن يحصل منذ مدة، وقد حصل اليوم فلا بأس، ولا بد من المتابعة والاستمرار، ومن أجل طرابلس، وسائر المناطق اللبنانية التي تعاني من الحرمان، ومن مشكلات أخرى كثيرة، كان بوسع إدارات الدولة اللبنانية أن تعالجها، لو توافرت الموارد والإرادة.
بيد أن القول بأن المسائل الاجتماعية والاقتصادية والتنظيمية هي السبب الأول للاضطراب بطرابلس وجوارها، يضع المسائل في غير موضعها الصحيح والملائم، ولا يساعد على الحلول. فمنذ شهور يجري التركيز من جانب قوى سياسية معروفة على أن العلة هي في الأصوليات بالمدينة، وبالتيار السياسي الرئيسي فيها. لكن لو كان ذلك صحيحاً، فلماذا جرى الدخول إلى بيروت بالسلاح، وما قال أحد ان السلفيين أو غيرهم موجودون فيها!
التركيز على طرابلس بنشر الاضطراب فيها وفي جوارها، وتغطية ذلك في إعلام السياسيين، لأنها مستهدفة قصداً مثل استهداف بيروت وصيدا. وهذا الاستهداف يجري التعبير عنه بصراحة آخر وقائعها ما قاله وزير الخارجية الفرنسي الأسبوع الماضي من دمشق. وهذا يعني أنه إذا كان لبنان كله لا يزال "ساحة" في الصراعات الاقليمية، فإن طرابلس (وأهلها واستقرارها)، اختيرت في النطاق المحلي لإبقاء الساحة حامية، وإرسال الرسائل، واستمرار الضغط على "الجماعة" من أجل كسرها ودفعها لاعتناق التعبيرات التي اختارتها أو لجأت إليها المجموعات الأخرى.
لا تقوم الأوطان ولا المدن على التجمعات المسلحة، ولا على العصبويات السياسية التي تدعم تلك التجمعات، وتسعى جاهدة لتشتيت الانتباه، باتهام الضحية، والتعظيم من شأن الجناة الحقيقيين. وقد كان ذلك دائماً هو الشأن مع طرابلس، ومع بيروت، ومع صيدا. يدخلها المسلحون، فإن دافع أبناؤها عن أنفسهم، قيل إنهم متطرفون وإرهابيون. وإن لم يرفعوا سواعدهم في وجه المغيرين، قيل إن ذلك كان لأنهم يعرفون أنهم مذنبون! وبين الدفاع أو الإخلاد إلى الصمت والصبر، ظلت مدننا الثلاث مسارح للعنف الهاجمة طوال ما يقارب الأربعة عقود.
مرحباً بالاهتمام بالشأن الاجتماعي والمعيشي والتنموي بطرابلس، وهي تستحق ذلك كله وأكثر منه. أما المدينة، وأما الجماعة، فستظلان عصيتين على الانكسار وعلى العصبوية والتطييف.