تدمير اسرائيل: غاية أم وسيلة؟
طرح صديقي الذي كان جالساً في جواري خلال ندوة سياسية السؤال الآتي كتابة: إذا كانت ايران تهدد اسرائيل بالتدمير إذا ما اعتدت عليها أو استهدفت "حزب الله"، ويهدد الأمين العام للحزب نفسه اسرائيل بالتدمير إذا ما اعتدت على لبنان، معنى ذلك أن لدى الطرفين القدرة على ذلك، فلماذا يؤجلان تحقيق أمنية العرب والمسلمين وفي الطليعة الفلسطينيين، وينتظران أن تأخذ اسرائيل المبادرة الهجومية؟
السؤال وجيه وواقعي. فالمبدأ أن اسرائيل إعتداء قائم منذ ولدت بقرار من الأمم المتحدة. وهذا استنتاج سياسي تبنّته كل أدبيات الأمة العربية، ولا يحتاج الى مناقشة. وكانت مشكلة الرد على هذا الاعتداء في عدم توافر القدرة العسكرية والارادة السياسية. والأخيرة كنا نحن المتحدرين من اليسار والثقافة القومية، نتهم بها الأنظمة العربية.
اليوم، تؤكد إيران ومعها "حزب الله" (و"حماس") أن ما لديهما من قدرات عسكرية سيسمح بإفناء اسرائيل، بحيث لا يبقى فيها حجر على حجر. مع ذلك يظل عرض المراجل قائما على صفحات الصحف وعبر شاشات التلفزة، على طريقة إن أقدمتم أقدمنا، وكأن وجود اسرائيل حق مسلّم به وليس إعتداء في المبدأ، وتاليا يجب انتظار خطأ ترتكبه ليكون مبرراً لحرب تزيلها.
للتذكير، لا تزال اسرائيل على أرض فلسطين، التي لا يقبل الطرفان بأي تسوية تتيح بقاء أي جزء منها تحت السيطرة الصهيونية. والطرفان أيضا لا يزالان يستعرضان قوتهما في "يوم القدس" الذي أراده الامام الخميني مبرراً لسعيه الى قيادة العالم الاسلامي .
وللتذكير، توافرت الارادة السياسية والقوة العسكرية للعرب مرة في تاريخ صراعهم مع الدولة الغاصبة، وكان ذلك في حرب العام 1973، ولم يستطع العالم إدانتهم حينها لأن من حقهم أن يحرروا الأراضي المحتلة من أوطانهم.
اليوم، القدرة العسكرية لإيران والحزب مؤمنة ،حسب تصريحات قياداتهما، والظرف الدولي مهيأ بدليل تأكيداتهما ما يسميانه فشل المشروع الأميركي في المنطقة، فماذا ينقصهما لتحقيق وعود "يوم القدس" المتكررة سنوياً، منذ عام 1986؟ هل هي الشق الثاني من المتوازية، أي الارادة السياسية؟
سؤال صديقي، وهذه الوقائع، تؤدي الى تأييد الاستنتاجات القائلة بأن الصراخ في وجه اسرائيل لا يعدو كونه نداءات الى جهة لاستدراج عروض منها، وترهيباً لجهات أخرى كي تقدّم تنازلات.
من جهة، تظل ايران الطموحة الى دور إقليمي هي نفسها، من زمن كسرى أنو شروان الى زمن أحمدي نجاد مروراً بالعائلة البهلوية، مع ملاحظة أن الجمهورية الاسلامية تريد إقراراً أميركياً بدورها يراعي مصالحها وحرصها على ألا تقدّم تنازلات "علنية ". أي تريد "انتزاع "هذا الاقرار سنداً الى التخويف بقدرتها على إشعال المنطقة، وليس في مقابل انضوائها تحت المظلة الأميركية.
ومن جهة أخرى، يريد "حزب الله" تحقيق الهدف نفسه على قياسه وقياس الرقعة اللبنانية، وخصوصا بعدما قبل بالقرار 1701 الذي ينهي زمن المقاومة المباشرة، ويجعل سلاحها أداة مرجحة وضاغطة في الصراع السياسي الداخلي يستند إليها الحزب لفرض هيمنته وأرجحية قراره على الاجماع الوطني، محصّنا بتأطير ديني مذهبي، وسياج إجتماعي جغرافي، ووفرة من المال "النظيف".
الصراخ في وجه اسرائيل ككلام الحَماة الى الكنّة لتسمعه الجارة: أميركا في المنطقة، والاجماع الوطني في لبنان.
قد يقال، ما لنا وايران؟ لكن لايمكن قبول ذلك حيال "حزب الله".
يعرف "حزب الله" اليوم أن استراتيجية العرب الحالية هي "مبادرة بيروت للسلام" أي "خطة الملك عبد الله"، وأن صراخ إيران ليس إلا حماية لطموحها النووي وأحلامها الاقليمية. ولأنه يعرف، يزيد من حضوره، وحلفائه، المسلح في أزقة بيروت لتحقيق الخلل السياسي الذي يريد، والذي يتمم طموح طهران الإقليمي.
أعتذر من صديقي السائل على التأخر في الاجابة، وعن الإطالة، ولكن لا بد من هذه الحاشية:
في 28 تموز1978 دُعي السيد موسى الصدر الى زيارة ليبيا فقبل الدعوة وحدد موعداً بين 18 و25 آب 1978. وفي 25 من الشهر المذكور، وفي مطار بيروت الدولي (حينها) وقُبيل سفره الى ليبيا، أدلى الصدر بتصريح لافت تناول فيه التجاوزات الفلسطينية في لبنان، لا سيما في الجنوب، معبّرا عن عمق الأزمة التي أدى اليها التدخل الفلسطيني في الشؤون اللبنانية، و"تحويل بندقية المقاومة الى بندقية شوارع في بيروت لتصفية حسابات عربية ودولية في الساحة اللبنانية".
كان ذلك قبل ثلاثين سنة .
اليوم يُعاد المشهد بممثلين جدد، لكن في الشوارع نفسها والبندقية نفسها، تلك التي تنسى دورها المقاوم لتصبح أداة لتصفية حسابات إقليمية هذه المرة.