سباق التسلح والمسارات: القرار الكبير المطلوب
هل كان من الممكن أن تصبح طرابلس محل قلق محلي وإقليمي ودولي لكي نجدها على روزنامة الحكومة (يوماً في السراي)؟ هل الفيحاء هي منطقة زلزال أمني يخاف كثيرون من امتداده أم مكان هزات ارتدادية لزلزال خارجها وخارج لبنان؟ ما الذي جعلها تبدو كأنها (خط تماس) إقليمي بأدوات محلية؟ ولماذا يتم القفز من فوق تاريخها الوطني وتجاهل النخب والأحزاب والحركة الثقافية للايحاء بأنها (أوستيا الجنوبية) أو (قندهار)؟ ومن قال ان التيارات السلفية هي وجه المدينة؟
لا مجال لطمس الحقائق، وإن تكاثرت الظلال فوقها وغطاها دخان القنابل ومعه أصوات التشنج. ولا بأس في الاحتجاج بأن التقصير قديم ومستمر في كل العهود والحكومات، لتبرير التأخر في اهتمام العاصمة بهموم عاصمة الشمال. فالمطالب التي قدمها ممثلو طرابلس والشمال توحي أن المنطقة تحتاج الى كل شيء. و(المسارات الستة) التي تحدث عنها الرئيس فؤاد السنيورة هي تقريباً ما تحتاج اليه مناطق لبنان، وما يتطلب تحقيقها سنوات طويلة. ولا أحد يعرف الوقت الذي يأخذه تحقيق الملحّ من المطالب والحاجات. لكن الكل يعرف أن حركة التسلّح في الشمال أسرع بكثير من خطوات المعالجة، سواء على المستوى الأمني او على المستوى السياسي والإنمائي والاقتصادي والاجتماعي.
ذلك ان الأولوية القصوى هي للأمن والرغيف معاً. فلا الأمن وحده يكفي. ولا الرغيف وحده يكفي. لكن الأمن ليس مجرد نشر الجيش في مناطق الاشتباكات. والرغيف ليس مجرد الإغاثة والمساعدات وتعويض الأضرار. فالأمن سياسي أولاً، وهو يتجاوز رفع الغطاء السياسي عن المسلحين الى المصالحة السياسية التي تبقى هشّة من دون مصالحة وطنية بين أركان الحكومة في الدرجة الاولى. والأمن بالمعنى الأمني التقني يبدأ بالمعلومات الدقيقة عن حركة التسلح ثم منع التسلح ومصادرة الأسلحة وينتهي بالردع واعتبار ما يقوم به المسلحون جرائم في حق الوطن تستوجب تحويلهم الى العدالة.
ومن دون الأمن السياسي والأمني، فان المشاريع الإنمائية والاقتصادية والاجتماعية تضيع في الرياح، على افتراض ان الخطط جاهزة والتمويل مضمون والبدء بالعمل ممكن. ومن دون بناء مشروع الدولة، فان المعالجات تبقى جزئية وموقتة ومعرّضة لكل ما رأيناه في الحرب. فلا إنماء في (ساحة) تضربها عواصف التشنج الطائفي والمذهبي وتلعب بها صراعات المصالح والنفوذ الخارجية. ولا استعادة الوجه الحقيقي لطرابلس ممكنة من دون ان يستعيد لبنان دوره وتراثه في الحريات الديمقراطية والتعددية و(رسالة) العيش المشترك.
ونقطة البداية هي الخروج من ممارسة السياسة كصراع على السلطة للسلطة، والتوقف عن التلاعب بالأزمات بدل معالجتها بجدية بحثاً عن حلول.