إعصـار بـلا اســم
انتقى الرئيس نبيه بري الذكرى المناقضة ليعلن، في يوم الرجل الذي بعث الأمل الكبير، ان علينا ان نخاف لا ان نطمئن. واكثر ما يؤلم في التحذير ان قائله بائع البلسم وحارس الميزان. وفي اليوم نفسه، وربما في الساعة نفسها، كان عمدة مدينة سانت لويس الاميركية يحذر أهلها: "اسمعوني جيدا. افهموني جيدا. عليكم ان تخافوا، وان تخافوا كثيرا لكي تعرفوا كيف يجب ان تهربوا من درب الاعصار".
للأب انسطاس الكرملي، اللغوي العراقي الذي كاد يكون في مراتب لويس شيخو وفي دأبه ودأب السريان لحماية العربية، مقال عظيم عنوانه "الاعصار، او التنّين" يصف فيه كيف تدور الرياح على نفسها، فيلتقي الغيم الاسود والارض، فيغضبان، ويكون موت وخراب، وتفقد الطبيعة الام أثداء الرحمة.
عمدة سانت لويس، التي اطلق عليها مكتشف فرنسي اسم ملكه، كان يحذر الاهالي من الاعصار "غوستاف" وقد بلغ الدرجة الثالثة بعد نشر الهلاك في الكاريبي، قبل ان يتراجع الى الدرجة الاولى الموازية للعاصفة الهوائية القوية.
فأي اعصار يخشى الرئيس بري لكي يخاطبنا للمرة الاولى منذ وصوله الى رئاسة البرلمان بلهجة اليأس؟ هل هو الخوف من اسرائيل، وعلّمنا انه لا يمكن ان يظهر امامها مظهر الحذر رجل قادم من معركة "أنصار"؟ ام هو الرعب من أعراض التحلل في الجسم الوطني الذي تتكاثر علله المريبة، وتتوالد في ازمة طرابلس وجرود عكار ومجاهل البقاع، وكل المياتم التي لم تتذكر الدولة وجودها، الا عندما ادرك الخطر وجودهما معاً: المياتم والدولة؟
في الايام التي بدأت فيها المطالبة بحقوق الارثوذكسية، طائفة العلمانيين التاريخية، في مناسبة بلوغ اللواء عصام ابو جمرة سدرة المنتهى، كنت اقرأ مذكرات الاستاذ فؤاد بطرس اثوذكسي زماننا. وهذا، كما تعرفون، رجل حاد وصادق ودقيق، ويحمّل "الطبقة الرسمية السياسية" من اللبنانيين، ويعني المؤسسة بشقيها المعارض والحكومي، مسؤولية الخراب الذي بلغناه مثلها مثل التدخل الخارجي، إما بسبب الخوف وإما الاغراء، وإما الفساد. لكنها طبقة غير مؤهلة لان تحافظ على بلد او استقلال او دستور او وحدة او كرامة وطنية. افراد بلا كرامات يشكلون في نهاية الامر مجموعة لا كرامة لها. يضاف احيانا، او غالبا، الى الجبن والفساد، الجهل المستطاب.
متأخراً، وبعد تردد طويل، يقرع نبيه بري اجراس بابل. يقول الفصل الحادي عشر من سفر التكوين إن اهل الارض الذين نجوا من الطوفان كانوا يتكلمون لغة واحدة، الى ان خطر لنمرود، حفيد نوح، ان يهاجم مملكة الله. ومن اجل ان ينزل بهم العقاب الذي يستحقون ارسل الله ملائكته طالبا منهم ان يبلبلوا ألسنة العصاة بحيث لا يعودون قادرين على فهم بعضهم البعض.
"بعدها لم يعد احد يفهم ما يقول الآخر، اذا طلب رجل مدفعاً اعطاه هذا حجراً. وفي غضب يرمي هذا رفيقه بالحجر ويقتله. وقد هلك كثيرون بهذه الطريقة". كانت بابل هذه قائمة قبل "حكومة الوحدة الوطنية" وزادت حجارتها تفتتاً بعد قيامها. اللعنة الكبرى على أتباع نمرود كانت ان يتكلم كل فريق لغة لا يفهمها الآخر. اللغة الواحدة تبني البرج واللغات المتضاربة تدمّره. ليس فقط اننا لا نعود نفهم لغة الآخر بل لا نعود نقبل سماع ما يريد ان يقول، لأن ما يقوله قد يشعرنا بتأنيب الضمير، بأن كل حقيقة هي في نهاية المطاف حقيقتان، وان كل وطن احتضان، والا فبابل على الابواب، او لعلها صارت داخل الاسوار ونحن نرفض ان نرى ما نرى، لأن ما نراه هو نحن. جميعا. ونحن، جميعا، نشكل بشاعة تتحول فظاعة، ويا امة ضحكت من جهلها الامم !
عندما بدأت اتابع مسألة ايرلندا الشمالية كان يصعب عليّ ان افهم ما يجري: بشر من جنس واحد، من دين واحد، من لون واحد، من لغة واحدة، من ثقافات متقاربة، من عادات واحدة، من مدينة واحدة، من حارة واحدة، ومع ذلك يعيشون على مسافة الف ميل بعضهم من البعض، يتقاتلون ويتضاغنون ويدسون القنابل في المقاهي والمدارس.
فما الذي يحوّل المدينة غابة؟
اكتشفت مع الوقت انه المبشّر، او صاحب الخطاب، الرجل الذي يعلّم الناس كل يوم الحقد، ويذكرهم بالثأر، ويعيدهم كل صباح الى مناخات القرون الوسطى. كان احد هؤلاء القس ايان بيزلي. وعندما عقدت المصالحة في بلفاست كان بيزلي الركن الاول فيها. ومنذ ذلك الوقت وهو يظهر في الصور الاحتفالية كل يوم الى جانب الزعماء الكاثوليك، ومن خلفهم تبدو الواح عليها اسماء الذين ماتوا وهم يهتفون للقس بيزلي وكهنة الكاثوليك.
لم اكن اتخيل ان بيروت سوف تتحول ذات يوم بلفاست اكثر فظاعة ورعباً، وان اللعنة سوف تطول، ولو بدرجات متفاوتة ولاسباب مختلفة ولمذاهب مختلفة، بحيث لم يبق هدوء ولا امل. وقُوّضت القضايا بحيث اصبحت بيروت مشغولة بصلاحيات اللواء ابو جمرة ومكتبه، فيما طرابلس تستعد لاعلان إماراتها، كلٌّ بزيها الخاص وشعاراتها الخاصة. وسوف يكون على دولة نائب رئيس الوزراء ان يتعامل مع مجموعة من "الامراء"، اكثرهم اعتدالا "امير" "التكفير والهجرة". اي تكفير جميع الآخرين وتهجيرهم جميعاً.
قام لبنان على مؤسسة الوجاهة لا على السياسة. النفوذ في مكان والسياسيون في مكان. السلطة في مكان والقرار في مكان. لذلك لم تكن المشكلة ان يصل لواء سابق في الجيش الى نيابة رئاسة الوزراء بل هي اين مكتبه في السرايا. ليس ما هي واجباته، وما هي سيرته المدنية، وما هو مؤهله المدني، بل كيف سيكون موازياً للرئيس الاصيل. وليس في دساتير العالم شيء مشابه لما يطالب به السيد النائب. لا في اميركا ولا في مصر مثلا. حدث فقط ان كان لـ"النائب" صلاحية ايام صدام حسين في العراق، والبقية معروفة وكذلك بقاياها.
غريب لبنان. صراع على "الامارات" في طرابلس وعلى الرئاسات في بيروت واعتصامات وطنية تنتهي كما انتهت في كل العهود: نمر حكومية للعائلة.