محاور الخارج تنعكس خطوط تماس في الداخل
من يتحمّل مسؤولية النزف والتفجيرات المتنقّلة؟
ماذا يجري في الشمال؟
السؤال بات اكثر إلحاحاً ولاسيما مع استمرار التوتر في طرابلس وامتداد شرارة الصدامات المسلحة الى احدى بلدات منطقة عكار. ولم يعد خافياً على احد ان ما يجري على المستوى الامني ليس مصادفة على الاطلاق، ولا هو نتيجة حوادث عابرة باسلحة فردية، بل يبدو واضحاً ان ثمة من يخطط لفتن متنقلة من منطقة الى اخرى ليس في الشمال وحده بل في اكثر من منطقة من اقصى الشمال الى اقصى الجنوب مرورا بالعاصمة والبقاع والجبل.
ومن غرائب المصادفات حدوث اعمال تفجير وصدامات مسلحة في شكل متناغم ومبرمج اقله في التوقيت في بيروت والبقاع ومخيم عين الحلوة في صيدا، وصولا الى شيخلار – عيدمون في عكار!
وكل طرف يقرأ ما يحصل على طريقته، لكن "الوجع" تركز في طرابلس انطلاقا من ضفتي شارع سوريا في باب التبانة وبعل محسن وقبله في حرب نهر البارد، والجرح النازف في عاصمة الشمال زاد من دوي صرخة مشتركة من اهل المدينة وقادتها على اختلافهم في السياسة، وقد تقاطعوا عند الدعوة الى انقاذها بدءا باطلاق يد الجيش للرد بقوة على مصادر النيران من اي جهة كانت، في ما شكل غطاء سياسيا شاملا لاي قرار في هذا الشأن. وعلى رغم ذلك، يستمر التوتر بكل ما فيه من قتلى وجرحى بـ"المفرق"، وتتوزع الاتهامات الى ما هو ابعد من الحدود بين "محور سوري – ايراني" وآخر "اميركي – غربي" وما بينهما اتهامات مباشرة للدور السعودي في لبنان، من خلال تسليط الضوء في شكل غير مسبوق على زيارة قام بها لطرابلس السفير السعودي عبد العزيز خوجه قبل نحو اسبوعين، وعلى اللقاءات التي عقدها مع معظم الاطراف في المدينة "بهدف التهدئة والتحذير من مغبة التصعيد الامني والسياسي" وفق خصوم سوريا في لبنان، و"بهدف التحريض" وفق مؤيديها مما اعاد الى الذاكرة احد تجليات المحورين: الخلاف السوري – السعودي وانعكاساته السيئة على لبنان خصوصا.
ويستغرب مدافعون عن التحرك السعودي في لبنان ما يسمونه "الحملة الشعواء" على زيارة قام بها السفير خوجه لعاصمة الشمال، "ولا يرى اصحابها تحركا مستمرا للسفير الايراني من اقصى الجنوب الى اقصى الشمال".
مرة جديدة، انه احد تجليات الخلاف السعودي – السوري – الايراني، ينعكس ســجــالات بين "الانصار" اللبنانيين واسوأ ما فيه انه يترجم توترات امنية في لبنان!
ويبدو لافتا ان اوساط رئيس كتلة "المستقبل" النائب سعد الحريري تنأى بنفسها عن ذلك السجال وترفض الخوض فيه لاعتبارات كثيرة ليس اقلها انه "لا يؤدي الى نتيجة"، وتبدو على حق اذ تكتفي لدى سؤالها عن تفسيرها للسجالات الاخيرة بالدعوة الى التهدئة ودعم وتعزيز "مشروع الدولة" متقاطعة بشكل واضح مع مواقف متلاحقة في الاطار نفسه، لرئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط.
ولم يعد استمرار الخلاف السعودي – السوري مفهوما او واضحا بمعطياته ومسبباته، بعدما تم تجاوز الاسباب التي ادت الى اندلاعه قبل سنتين ونيف، بدءا بالخطاب الشهير للرئيس السوري بشار الاسد والذي حمل فيه على الحكام العرب وبعد التوضيحات المتكررة ولاسيما في اللقاء اليتيم الذي جمعه والعاهل السعودي الملك عبدالله بن عبد العزيز في الرياض على هامش القمة العربية في آذار 2007.
على ان بين منتقدي التحرك السعودي في لبنان في هذه المرحلة، من يشيد تكرارا بالملك عبدالله بن عبد العزيز "القومي العربي المعروف بدعمه تاريخيا لسوريا"، وفي الوقت نفسه يصوّب على "بعض السياسات" ويغمز من قناة الامير بندر بن سلطان رئيس مجلس الامن الوطني السعودي، ويحّمله مسؤولية ما في مكان ما ذي صلة بالعلاقات السعودية – السورية وبالضغوط الاميركية على سوريا، وهذا ما يرى فيه آخرون "محاولة لصرف النظر عن مكامن الخلاف الحقيقية" التي تتعلق من وجهة نظرهم بما يسمونه "السلوك السوري في المنطقة"، في اشارة واضحة الى التحالف السوري – الايراني، وبالتوجس من تحركات ايرانية تشكل "تدخلا سافرا في شؤون عدد من بلدان المنطقة ومنها لبنان".
فهل يعني هذا الواقع ان التوترات المتنقلة في لبنان ستستمر في انتظار مصالحة سعودية – سورية – ايرانية؟
"قطعاً لا. ولا يجوز، هذا اذا سلمنا جدلا ان التفجيرات الامنية مرتبطة مباشرة بهذا الخلاف"، يجيب مرجع سياسي مستقل، ويضيف: "اذا كان من المكابرة تجاهل تداعيات خلاف المحورين السوري – الايراني والاميركي – الغربي، فإن ربط وقف التفجيرات والصدامات المسلحة بتفاهم المحورين، انما يشكل وصمة عار في جبين الجميع في لبنان معارضين وموالين، اذ يضع معظمهم في موقع الادوات وفي الوقت نفسه يصيب الدولة مباشرة بكل مؤسساتها، بل يصيب انطلاقة العهد الجديد التي لا نزال نعلق عليها آمالا كبيرة".
ويرى المرجع نفسه "ان قرارا جريئا باطلاق يد الجيش والقوى الامنية انطلاقا من غطاء سياسي لم يكن متوافرا بهذا الحجم في اي وقت، من شأنه ان يضع حدا لاعمال التخريب والفتن المتنقلة، وان ينهي مأساة طرابلس التي يدرك الجميع ان استمرار الحريق فيها او في اي منطقة اخرى سيمتد الى سائر المناطق، ويتجاوزها الى ما هو ابعد".
وبدا واضحا الاهتمام المصري اللافت بطرابلس وخطورة الوضع فيها وتداعياته، من خلال كلام وزير الخارجية احمد ابو الغيط لدى زيارته اللافتة والمفاجئة لبيروت الاربعاء الماضي، وكذلك الاهتمام السعودي من خلال كلام السفير خوجه لدى زيارته "الشهيرة" لطرابلس.
فهل يحسن "اصحاب الشأن" اللبنانيون قراءة هذه التحذيرات والاشارات؟
وهل يضع حاملو مفاتيح مخازن الذخيرة حداً لحرب الضحايا على الضحايا؟