في الطريق الى الجنوب
"المقاومة تكون على الأرض المحتلة وليس على الأرض المحررة. حالياً حزب الله يلعب دور الجيش، هو جيش بديل وليس حتى رديفاً، وهذا غير مقبول. هل لنا أن نعرف من أين له المال ومن أين يأتيه السلاح، وما هي أهدافه."
(ميشال عون 26 شباط 2002-حوار تلفوني مع طلاب جامعة القديس يوسف)
في طريقه الطويل والمتعرج الذي قاده بالامس الى دويلة حزب الله في الجنوب، تقلب العماد عون في الخيارات السياسية من أقصى اليمين ضابطاً مقرباً من المفكر أنطوان نجم، أحد أبرز مستشاري الرئيس الشهيد بشير الجميل، وصولاً الى أقصى اليسار سائحاً في دويلة حزب الله في الجنوب مشكلاً غطاءً لسلاح غير شرعي استعمل بالامس للغدر بخيرة ضباط الطيران في الجيش اللبناني دون أن يجرؤ القائد السابق للجيش حتى على الاستنكار.
في أواسط الثمانينات كان العماد عون الاقرب الى الوزير حبيقة في سعيه لانجاز "الاتفاق الثلاثي"، ويذكر حبيقة في مقابلة مع الكاتبة كارول داغر أجريت في 11 أيلول 1990 ونشرت في كتابها "جنرال ورهان" الصادر في العام 1992 " ان العماد عون والمقدم فؤاد الاشقر هما اللذان كتبا الشق العسكري من الاتفاق" ويؤكد على ذلك نائب حبيقة في قيادة القوات في حينه الاستاذ ايلي أسود في مقال بعنوان "مات مظلوماً" نشر في جريدة النهار بتاريخ 26 12005.
ومن أبرز ما تضمنه الاتفاق الثلاثي في المجال العسكري أن تتم اعادة بناء الجيش بشكل منسجم مع سعي لبنان الى التنسيق والتكامل الاستراتيجي مع سوريا، كذلك ورد في شق العلاقات المميزة بين لبنان وسوريا وتحت بند العلاقات العسكرية : …يجب الاتفاق على تمركز وحدات عسكرية سورية في نقاط معينة من لبنان تحددها لجان عسكرية مشتركة وفق مقتضيات الامن الاستراتيجي السوري واللبناني…"
ربما استفاد قادة ميليشيا حزب الله من الفكر العسكري والاستراتيجي للعماد عون الموثق في الاتفاق الثلاثي ولذلك يسعون الى اعادة بناء الجيش بشكل منسجم مع سعي الميليشيا لاستيراد الثورة الايرانية الى لبنان وتعميم مآثرها في كافة جوانب الوطن لا سيما فوق تلال سجد.
بعد معركتي التحرير والالغاء الشهيرتين انتقل العماد عون في بداية التسعينات الى المنفى رافعاً شعار استقلال لبنان وسيادته وناصره قسم كبير من المسيحيين مجدداً فكانت مرحلة من النضال والتضحيات قل نظيرها فيما كان اللبنانيون في الخارج يعملون بجهد الى تدويل القضية اللبنانية وتمكنوا من التقرب من مراكز القرار لا سيما في واشنطن كما تمكنوا من ايصال العماد عون الى الكونغرس الاميريكي شاهداً امامه مطالباً ليس فقط بسحب سوريا من لبنان لا بل بسحب المنظمات الارهابية التابعة لها سيما تلك التي فجرت مراكز المارينز في لبنان فكان القرار الاميريكي بمحاسبة سوريا بداية الطريق الى الحرية الغالية والتي كان المسيحييون في الداخل يدفعون ثمنها بفرح، وكانت جريمة 14 شباط الشرارة التي دفعت باللبنانيين الى اسقاط جمهورية الخوف وحواجز القهر التي تفصل بينهم وكان 14 آذار يوماً للتاريخ انتصرت فيه ارادة الاحرار على ظلم الانظمة الشمولية، وانسحب السوريون، وعاد العماد عون، وكانت الانتخابات النيابية على وقع الاتفاق الرباعي الذي واجهه عون عبر طرحه لبرنامج انتخابي مكتوب اطلق عليه اسم "الطريق الآخر" تضمن انتقادات لاذعة لميليشيا حزب الله واتهاماً له بتعريض لبنان للاخطار وبادعاء لبنانية مزارع شبعا لتبرير الاحتفاظ بالسلاح كما تضمن تأييداً للعملية الاميريكية في العراق وتأييداً لنهج الرئيس الفلسطيني محمود عباس في مواجهة حركة حماس فكان أن محضه 70% من المقترعين المسيحيين في جبل لبنان ثقتهم فاستخدمها لاضفاء شرعية على تفاهمه مع حزب الله الذي عقده في 6 شباط 2006 مشرعاً استخدام السلاح الميليشيوي كوسيلة مقدسة(البند العاشر) حتى تحرير مزارع شبعا واستعادة الاسرى (لم تذكر الوثيقة تحرير تلة سجد من ضباط الجيش اللبناني)، على أن يدخل هذا السلاح ضمن استراتيجية دفاعية يتوافق عليها اللبنانيون، دون أي ذكر للجيش اللبناني الذي كان هو الحل في مرحلة سابقة من مسيرة العماد عون باتجاه الجنوب، المسيرة التي مرت ببيروت التي اجتاحها سلاح المقاومة المقدس ورفع عليها صور بشار الاسد كدليل لعودة القاطرة الى السكة، والسكة بالامس كانت باتجاه الجنوب وتحت رايات حزب الله وفي ظل أمنه وسلاحه غير المنظور، الذي ظهر فجأة على تلال سجد ليصيب في النقيب سامر حنا مقتلاً، سامر حنا الذي رفض أن يدخل الجنوب تحت رايات الذل كما دخله سواه بل دخله شامخاً مرفوع الرأس قبل أن يثلقى رصاصات الغدر من مواقع صديقة لم تستسغ صحبة الضباط الشامخين على أرض الجنوب، هذا الجنوب الذي عانى ما عاناه في ظل "الاحتلالين" والكلمة حق حصري للعماد عون الذي قال لبرنامج "سجل موقف" في 09 42002 " بعد الانسحاب الاسرائيلي انتقلنا من احتلالين (اسرائيل وحزب الله) الى احتلال واحد (حزب الله)".
بالامس وصل العماد عون الى الجنوب فيما امهات المعتقلين في السجون السورية لا زلن في خيمتهم على قارعة الطريق، بالامس وصل العماد عون الى الجنوب فيما اللاجئون الى اسرائيل لا زلن عملاء، بالامس وصل العماد عون الى الجنوب فيما الدولة لم تستطع الوصول الى تلة سجد لانقاذ طاقم طوافة عسكرية لم تسقط نتيجة عطل فني كما ادعى التلفزيون البرتقالي بل سقطت نتجة رصاص الغدر الذي قتل قائدها وأسر مساعده.
في الطريق الى الجنوب لم يلحظ العماد عون سوى الاسفلت، لم يتنبه الى أن الطريق التي سلكها الى الجنوب كلفت غالياً بعد أن تعبدت بالقهر والعذاب والتضحيات والسجون والمنافي، تعبدت بالدم الذي سال فداء لسيادة سقطت في الجنوب وفداء لجيش واحد بات جيوشاً في الجنوب ولبندقية واحدة باتت بنادق في الجنوب وفداء لوطن بات ساحة في الجنوب…
ترى هل كانت هذه المسيرة المتعرجة باتجاه الجنوب تستأهل كل هذه الاثمان؟
ترى هل كان الوصول الى دويلة حزب الله وتشريع سلاحه يستأهل كل هذه التضحيات؟
ترى ألم يكن من طريق مختصرة أكثر الى الجنوب؟؟؟