#adsense

جمهورية ميشال سليمان المطوّقة بالرهانات السورية والتوترات الايرانية

حجم الخط

بينَ نظام الأسد و"الدفع بالتقسيط" لأميركا وإسرائيل.. و"الفأر في عبّ" طهران و"حزب الله"
"جمهورية ميشال سليمان" المطوّقة بالرهانات السورية والتوترات الايرانية

لا يمكن القول إن زيارة الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الى دمشق أمس والقمة الرباعية الفرنسية ـ السورية ـ القطرية ـ التركية اليوم تفتتحان "مرحلة سوريّة" جديدة، أي أن يكون ما بعدَهما مختلفاً جذرياً ونهائياً عمّا قبلهما.

إيقاع سوري "غير قياسي"

وبكلام آخر، لا يمكن ـ ولا يجوز ـ الجزم بأن النظام السوريّ حسَم بجعل الاشاراتِ التي يعطيها منذ مدّة "توجّهات نهائيّة كاملة". وعدمَ الجزم بأنّ نظامَ الأسد حسم توجّهات نهائية، لا يعني في المقابل أنه قادرٌ على الارتداد عما أعطاه من اشارات هي في الواقع بمثابة "دفعات على الحساب". وعلى هذه الأساس، فإن التحديد الأدقّ لوضع النظام في سوريا هو أنه "يعطي بالتقسيط" باتجاه اسرائيل والغرب في انتظار نضوج ظروف "تسوية بالجملة" معهما، ومع أميركا بالتحديد، وهو يدرك أنّ أي ارتداد عن الدفع بالمفرق سيعرّضه لأخطار أكثر مما لو كان لم يعطِ بالمرّة.. أي أنّ ايقاع "المرحلة السورية" الجديدة لن يكون بالضرورة بسرعة قياسية.

دفعٌ سوريّ بـ "التقسيط"

مما لا شك فيه انّ ثمة "دفعات على الحساب" أعطاها نظام الأسد.
المفاوضات السوريةّ ـ الاسرائيلية غير المباشرة برعاية تركيا، هي دفعةٌ مهمّة على الحساب. وفي أيام قليلة تنعقد الجولة الخامسة من هذه المفاوضات غير المباشرة. وثمّة توقع بأن ينتقل نظام الأسد قريباً إلى مفاوضات مباشرة بطلب فرنسي ـ تركي.. وقطري.
وبدخوله في مسار تفاوضي مع اسرائيل من ناحية وآخر مع فرنسا وغير مباشر مع أميركا من ناحية أخرى، يكون النظام السوري وافق على التخلي عن "وحدة المسار" السوريّ ـ الايراني، وذلك دفعة مهمة على الحساب ايضاً.

ماذا عن مشعل؟

وعلى الخط نفسه، يمثّل إغتيال القيادي البارز في "حزب الله" عماد مغنية في دمشق بتواطؤ سوري استخباراتي مع إسرائيل أو بدور مخابراتي سوري مباشر، ثم إغتيال الضابط السوري محمد سليمان "مسؤول الارتباط" مع ايران و"حزب الله" وبفعل استخباراتي سوري، دفعتَين "ثمينتين" على الحساب.. ما لم تكن تصفية الأخير ذات صلة مع "محو آثار" بعضهم في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. أما "مغادرة" رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" خالد مشعل سوريا للانتقال الى بلد آخر فبشأنها روايتان. الأولى ان مشعل "أجبر" سورياً على مغادرة دمشق للاقامة في بلد آخر (السودان)، وقد نفتها "حماس" بنوع من "المداراة" مؤكدة على "متانة العلاقة مع سوريا" وتحت عنوان انّ "علاقتنا استراتيجية وجيّدة وعميقة مع الشقيقة سوريا". أما الثانية فتقول ان السلطات السورية طلبت من مشعل "التغيّب" فترة من الزمن عن دمشق. وعلى أي حال، تلوح "غيوم" في سماء العلاقة السورية ـ الحمساويّة.. وقد يكون ذلك في حدّ ذاته واحدة من الدفعات على الحساب.

لبنان و"المفرّق"

أما بالنسبة الى لبنان، وقد وصفته فرنسا بأنه "محكّ" وتعاملت معه على انّه "المدخل" الى استئناف العلاقات الفرنسية ـ السورية بل مفتاحها، فقد "استجاب" النظام السوري لمطالبته بـ"تسهيل" تنفيذ "اتفاق الدوحة" وبإقامة علاقات ديبلوماسية على مستوى السفراء مع لبنان.. وذلك مما يدخل في اطار "الدفع بالتقسيط".

ليس منطقياً التقليل مِن "قيمة" هذه "المدفوعات". بيدَ أنّها منظوراً اليها من الجانب السوري تفيد أن النظام "أخذ" في مقابلها فكّاً لعزلته أوروبياً، ودولياً بالتالي، من دون أن يُقدم على "انعطافات" استراتيجية "كاملة"، ولذلك فإن "الانعطافات الكاملة" تفترضُ أثماناً لم يحصّلها بعد. ويمكن تصوّر الأثمان التي ينتظرها النظام في سوريا، ومعظمها ـ إن لم يكن كلّها ـ في لبنان، سواء على مستوى "تجديد النفوذ" في هذا البلد أو لجهة فرملة المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ومنع تداعياتها سوريّاً.

الإنعطاف النهائي ومتطلباته

أما من الجانب الفرنسي ـ والدولي عموماً ـ فإن هذه "الدفعات على الحساب" سمحت وتسمح بـ"الانفتاح" على دمشق وبإنهاء القطيعة معها، لكن لا بد من استكمالها استراتيجياً. وكي تكون كذلك، فإن معيارَها هو القطع السوريَ مع ايران، أي "الإنفصال" عن طهران و"حزب الله" وهو مطلبٌ إسرائيليّ أيضاً. و"الإنفصال" عن إيران و"حزب الله" يعني عدة "أشياء": وقف الإعتماد على ايران عسكرياً وأمنياً خصوصاً، قطع طرق إمداد "حزب الله" بالسلاح الايراني، وترسيم الحدود مع لبنان وضبطها. أما "المقابل" فيتمثل في حماية بقاء النظام بعدَ أن يُجري "تغييراته" وفي إعطائه الحوافز الاقتصاديّة، وتأهيله لعضويّة الأسرة الدولية من جديد. وخلافاً لما يعتقده النظام السوريّ ويراهن عليه، فإن فرنسا ساركوزي إمّا أنّها لا تريد فرملة المحكمة الدولية أو إلغاءها، أو أنها لا تستطيع إن أرادت لأن المحكمة أصبحت واقعاً ولأن فرنسا ليست كلّ المجتمع الدوليّ، ولأن أي "صفقة سياسيّة" في إطار المحكمة لن تصل الى مستوى الإطاحة بها وبأحكامها. ثمّ لا أحد يمكنه إعادة سوريّا الى لبنان ولا ظروف وتوازنات تتيح هذه العودة.

"الفأر يلعب في عبّ طهران وحزب الله"

ممّا تقدّم، يبدو الإستنتاج واضحاً. فالنظام السوريّ في "منزلة بينَ المنزلَتين" حالياً: لا قدرة على العودة إلى الوراء عن "الدفعات على الحساب"، لكن "التقدّم" أكثر في الاتجاه "المرسوم" قيد الدرس. و"لعلّ" المتحقّق لأميركا وإسرائيل من "الدفعات السوريّة على الحساب" هو تحييد نظام الأسد عن أي مواجهة أميركية ـ ايرانية أو أي حرب اسرائيلية على ايران أو "حزب الله" (ولبنان). وكذلك، فإن المتحقق لأميركا وإسرائيل هو أنّ "الفأر يلعب في عبّ إيران و"حزب الله".

"جمهورية سليمان"

في هذا السياق، ليسَ مستبعداً ولن يكون مستغرباً أن يشهد الوضع في لبنان تصعيداً "إضافياً" من جانب "حزب الله"، ليسَ فقط بسبب "الدفعات السورية" على الحساب، بل لأن "منطق" القمة الرباعية في دمشق اليوم هو منطق الدفع بالنظام السوري الى مزيد من "الدفعات"، أي باتجاه التفاوض المباشر مع إسرائيل حتّى قبل إنتخاب إدارة أميركية جديدة، ووضعه في صورة ما عليه فعلُه بإزاء أيّ تطوّر إقليميّ محتمل والمزيد من التواطؤ مع إسرائيل. ذلك انّ تأخّر النظام السوريّ في الانعطافات الكاملة "الأخيرة"التي قد تسبق التفاوض المباشر مع إسرائيل أو تتخلله أو تترتب عنه، لا يُلغي حقيقةَ أنّ التواطؤ السوريّ ـ الإسرائيلي "عريق".

ضمنَ هذا الاطار، وفيما يستبقي نظام الأسد الوضع في لبنان مسترهناً وموضع رهان في آن، وفي ظلّ حقيقة أن لا قدرة لديه على التراجع عن "الدفعات" السالفة الذكر مما يوتّر "حزب الله" ويدخل "الفأر في عبّه"، يبدو أنّ الجمهورية اللبنانيّة ـ ولعلّ الأصحّ تسميتها "جمهوريّة الرئيس ميشال سليمان" ـ مستضعفةٌ مِن النظام السوريّ كما من "حزب الله" على حدّ سواء.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل