هل ثمة مشتركات بين المعارضة والموالاة؟!
تحاول أوساط عدة في الموالاة البحث المستمر عن مخارج للأزمة السياسية القائمة على قاعدة اقامة حوار حول عدد من القضايا التي يمكن أن تشكل قواسم مشتركة بين سائر الأطراف ينفذ من خلالها البلد الى بوابة الحلول على أن يتناول الحوار لاحقاً القضايا الخلافية وبذلك يكون قد تم العمل على حل النزاعات المرشحة للمعالجة وهي في معظمها على صلة بقضايا الناس الاجتماعية والمالية وبالتالي قضايا البلد ذات الطابع الاقتصادي تمهيداً لمباشرة البحث في ما هو مستعصي ومعقد وذو طابع وطني سيادي شامل يتمثل في مسألة موضع السلطة، فهل تكون في الدولة أم هناك جهة تتقاسمها خلافاً لمنطق الدول؟ فهل تلاقي مثل هذه الدعوات آذاناً صاغية لدى المعنيين؟!
مصدر سياسي مطلع يشير في هذا السياق الى ما أطلقه رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط أخيراً عندما تحدث عن أنه "آن الأوان لنستطيع كلبنانيين الاتفاق على المشترك وأن نقدم الى الشعب اللبناني ما يريده من استقرار سياسي واقتصادي واجتماعي ومعيشي… ويوضح استناداً الى أجواء رئيس "اللقاء الديموقراطي" أن التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للأزمة الراهنة تصيب سائر اللبنانيين سواء كانوا معارضين أم موالين وأن الفقر لا دين له أو مذهب أو حزب فالمعاناة شاملة. وهي تطال الجميع فلا بأس من التوصل الى حلول حول هذه المسائل تريح طبقات الشعب الفقيرة، فهل ثمة إمكانية؟!
يقول المصدر ان الطرف الأساسي في المعارضة يدعو الى التوجه نفسه الذي يشير إليه جنبلاط، فنائب الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم دعا بالأمس الى "…أن ننصرف جميعاً من خلال الحكومة الى معالجة هموم الناس المعيشية والاقتصادية وتصحيح الأجور… وإنقاذ لبنان من أزمته الاجتماعية الخانقة…" وأضاف المصدر إذا كان التوافق في الطروحات متطابقاً الى هذا الحد فأين المشكلة في جعل الشعارات المتعلقة بقضايا الناس الاجتماعية قابلة للتنفيذ والتطبيق على الأرض؟!
يؤكد المصدر ان التوجهات التي يعبّر عنها النائب جنبلاط وسائر أطراف الموالاة مرتبطة بالتوجه السياسي الاستراتيجي الذي يدعو الى تحييد لبنان عن الصراعات الاقليمية والدولية عبر نظرية "الحياد الايجابي للبنان" والتي تتطلب حواراً حول الخيارات الوطنية الأساسية على الرغم من أنها محددة بدقة في وثيقة الوفاق الوطني وبالتالي دستور البلاد. فدعوة فريق الرابع عشر من آذار الى معالجة الأوضاع المالية والاقتصادية والاجتماعية لسائر اللبنانيين يندرج في إطار وجود أو قيام مجتمع مدني مستقر مرجعيته الدولة وهي أداة قيامه واستمراره وتطوره من غير تجاهل العديد من القضايا الخلافية التي يجب أن تترك للحوار خارج أي ضغوط اقليمية ودولية أو محلية. ثم ان خيار هذا الفريق الأكثري تمثل في مراحل سابقة ومستمرة في العمل على معالجة الأوضاع المالية على قاعدة ما أطلقه الرئيس الشهيد رفيق الحريري في المؤتمرات الدولية حول لبنان، باريس واحد واثنين وثلاثة، وهي مؤتمرات ترمي الى دعم لبنان شعباً ومؤسسات وهذا كان /يوم انطلق/ موضع اجماع وطني رغم الدور السلبي الذي لعبته سوريا زمن الوصاية عبر أعوانها داخل الحكم. فإذا كان هذا هو سياق دعوة فريق الموالاة لمعالجة القضايا المالية والاقتصادية فهل هو السياق نفسه للمعارضة؟!
يجيب المصدر بالتأكيد لا فالفريق المعارض المتمثل بشكل رئيس في "حزب الله" والذي يدعو الى معالجة الأوضاع الاقتصادية والمالية عبر الحكومة الحالية يطلق في وجه هذه الأخيرة شعار ضرورة قيام مجتمع حربي في مواجهة اسرائيل ورفض كل ما هو آت الى لبنان لا سيما عن طريق مؤتمرات يعقدها المجتمع الدولي لمساعدة هذا البلد اقتصادياً ومالياً تحت ذريعة المساعدات المشروطة على الرغم من علمه أن تلك المؤتمرات مكشوفة الأهداف والمرامي ولا تحمل شروطاً فيها انتقاص من السيادة أو تقييد للخيار الاقتصادي للدولة فضلاً عن استمرار "حزب الله" في مصادرة دور الدولة الأساس في حصر "السلطة الأمنية والعسكرية على سائر اللبنانيين والمقيمين بيدها بما يشكل ضمانة لاستمرار صيغة العيش المشترك والسلم الأهلي" كما نص اتفاق الدوحة وقبله اتفاق الطائف.
فاستمرار "حزب الله" في هذا الخيار من شأنه أن يبقي السلم الأهلي والعيش المشترك عرضة لخضات مستمرة كما هو الوضع في العاصمة والشمال والبقاع والجنوب… وهذه الخضات تكرس حال عدم الاستقرار التي تنعكس بشكل سلبي على الأوضاع الاقتصادية والمالية للدولة والمواطن… فكيف يمكن أن تتلاقى فكرة التوافق على المشترك بين سائر الفرقاء ويكاد أن يكون هذا المشترك غير موجود خصوصاً على مستوى الخيارات الكبرى التي تنعكس وتحدد المسار المفترض لمعالجة القضايا الخلافية.
ويخلص المصدر الى القول ان دعوة فريق الرابع عشر من آذار الى الاتفاق على ما هو مشترك بين اللبنانيين خصوصاً على المستوى المعيشي والتي تتلاقى لفظياً مع دعوة "حزب الله" تتقاطع سلباً مع منطق هذا الحزب في رفع شعارات الحرب المستمرة والمجتمع الحربي وإصراره على مصادرة دور الدولة الأمني الذي يحصن السلم الأهلي والعيش المشترك وخارج إطار هذين الثابتين لا يمكن معالجة أوضاع اللبنانيين الاجتماعية والاقتصادية ومالية الدولة، وبالتالي تصبح شعارات "حزب الله" بشأن حرصه على هموم الناس المعيشية غير ذات أهمية واستطراداً فإن التلاقي بين المعارضة والموالاة على ما هو مشترك قد يكون متعذراً ان لم يكن مستحيلاً…