ساركوزي ولعبة الصفقات
… نستذكر رؤساء فرنسيين كباراً جعلوا من فرنسا قوة مؤثرة في القضايا الدولية، وكان لهم حضور قوي في عالمنا العربي، مثل شارل ديغول محرر فرنسا من الاحتلال النازي، والذي قادها في ظروف دولية صعبة ومعقدة، وفي عز الحرب الباردة كان له دوره الفاعل في تجنيب فرنسا تأثيرات هذه الحرب، وكذلك جاك شيراك، الذي قاد فرنسا كذلك في ظروف صعبة، وأقام علاقات ممتازة مع العرب، حتى أن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز وصفه قائلاً: إن شيراك عربي صميم وعريق.
.. كما نستذكر جورج بومبيدو وجيسكار ديستان وفرانسوا ميتران، وهم رؤساء تركوا بصمات على السياسة الدولية، وحققوا لفرنسا إنجازات على الصعد كافة.
.. الآن، يقود فرنسا نيكولا ساركوزي، الذي يختلف عن كل هؤلاء بسياساته، وهو يبدي في كثير من الأحيان شكلاً من أشكال العشوائية، ويميل كثيراً الى سياسة الصفقات والمقايضة، من دون تحديد استراتيجية سياسية، خصوصاً في علاقاته الدولية.
… نقول هذا ونحن لسنا ضد زيارته الى سورية، بل على العكس تماماً، فنحن نرحب دائماً بأن تكون علاقات فرنسا مع كل الدول العربية جيدة وممتازة، وزيارته الى سورية نتمنى أن تندرج في هذا الإطار تماماً، ولكن مع ذلك، فإن سياسة ديغول وبومبيدو وجاك شيراك في العلاقات مع العرب كانت تنطلق من قاعدة استراتيجية تخدم المصالح المشتركة، وليست قائمة على الصفقات في إطار مقاييس لها طابع المقايضة إذا جاز التعبير، وهذا أمر يبدو ملتبساً على المقاييس كافة.
… لقد جاء ساركوزي الى دمشق بصحبة وفد اقتصادي وتجاري، واللافت انه وصل الى مطار العاصمة السورية وكان في استقباله وزير الخارجية وليد المعلم على غير عادة السوريين بأن يقوم رئيس الدولة المضيف باستقبال رئيس الدولة الضيف على أرض المطار.
المراقبون فسّروا هذا الامر بأن ساركوزي لم يستقبل الرئيس السوري في المطار عند زيارته الى فرنسا، فجاء الرد في مطار دمشق، ولكن اللافت هنا هو قول أحد المعلقين الاوروبيين، بأنه إذا كانت اسرائيل راضية عن هذه الزيارة فإن الصحف الاوروبية لن تعلق على هذا الامر إطلاقاً، وأما إذا كانت غير راضية فإن الإعلام الاوروبي سيوجه انتقادات حادة الى سورية لعدم قيام رئيسها باستقبال ساركوزي على ارض مطار دمشق الدولي.
قول المعلق الاوروبي ليس تسطيحاً للأمر، بقدر ما يحمل خلفيات ودلالات كبرى.
على كل حال من المبكر جداً الاسهاب في تلك التفاصيل والحديث عنها، إذ أن الزيارة انتهت لتوها، وستنكشف أبعادها خلال أيام، وستظهر خلفياتها من خلال تعليقات الصحف الاوروبية.