الزيادة والاستراتيجيّة
لندع الحوار جانباً الى يوم يحين قطافه. ولنترك للأيام أن تقول ما عندها بالنسبة الى الاستحقاق النيابي الذي يلبسونه كل يوم صفة تفجيريَّة جديدة.
ولنيمٍّم الوجوه شطر الوضع الاقتصادي والحالة المعيشيَّة، ولننعم النظر في معاناة زيادة الحد الأدنى للأجور، والأطوار التي تمرُّ بها منذ ما يقارب السنتين. وربما قبل ذلك بكثير.
ليست المدة هي بيت القصيد في كل حال.
بل هي الفصائل السياسيَّة المدجَّجة بالنرفزة والعصبيَّة والتوتر، والمشمٍّرة عن زنودها استعداداً لملاقاة الهيجاء وخوض الحروب، بسبب أو من دون سبب. وفي كل الفصول والأوقات.
فلو تتكرّم هذه "الفصائل" التي لا تغيب عنها الشمس وتعرٍّج باهتمامها على الوضع الاقتصادي في البلاد، وتعير الحالة المعيشيَّة للعباد لفتة كريمة من لدنها… فلعلها عندئذ تجد ما يخفّف من غلوائها ولو بصورة موقتة.
ولعلها ترتدع عن اشهار سيوف التهديد والوعيد كلما صاح الديك، أو اختلف ولدان على لعبة عسكر وحراميَّة، أو كلما حاول مجلس الوزراء تعيين موظّف من الفئة الاولى أو الفئة الخامسة.
ولعلَّها تروق قليلاً وتأخذ أوضاع الناس والبلد بحلمها اذا كان متعذّراً عليها أخذ هذه المسائل "الثانوية" أو "الهامشيّة" في الاعتبار.
وربما تتساهل وتمنح البلد والناس فرصة للتنفُّس والتنفيس، أو أي شيء يشبه استراحة المحارب. ثم بعدها فليكن لكل حادث حديث.
منذ مدة ضاربة في الزمن ومجلس الوزراء يسعى جاهداً ويائساً الى أن يدخل في التفاصيل الأساسّية، ويضرب كفاً بكف، ويؤجٍّل الجلسات، ويراجع دفاتره القديمة، ويستنجد بالمؤتمرات المانحة وباريس 3 وباريس 4، آملاً ان يتمكنَّ من الاقدام على خطوة زيادة الحد الادنى والأقصى للأجور ولو مئتي الف ليرة.
فيصطدم إما بخواء الخزينة والموازنة والصناديق، وإما باعتراضات متضاربة من هذا الفريق أو ذاك.
أرقام كلها بالمليارات تصيب من يطلع عليها بالصداع حتماً: مليارات الدولارات المستحقة الدفع كفائدة لديون بالمليارات. مليارات الليرات لتسديد مستحقات متعدَّدة العنوان والمهمة.
وادراج الدولة كجيوب جحا، تشكو من ثقوب من أعلى الى أسفل.
والناس بمعظم فئاتهم وطبقاتهم يطاردون لقمة العيش وحبة الدواء، كما لو انهم في سباق للركض هيهات أن ينتهي.
مئتا ألف ليرة فقط لا غير، وانتم تتساجلون حول السلاح الثقيل والخطط الاستراتيجية؟