#adsense

تفطيس الحوار بتخمة المواضيع

حجم الخط

تفطيس الحوار بتخمة المواضيع!

إذا كان البحث في الاستراتيجيا الدفاعية يعني ضرورة استحضار كل المواضيع لبحثها في الحوار الوطني الموعود، فإن ذلك يعني أمرين:
* أولا: إن طاولة الحوار الوطني ستتحول هيئة تأسيسية تعيد النظر في كل شيء تقريبا، مما يجعل السلطات القائمة والنظام السياسي العام في البلاد وكذلك الدستور المعتمد في حال تشبه التجميد كي لا نقول التعطيل، ريثما ينتهي ذلك الحوار العظيم… اذا انتهى واللهم بالتفاهم!

* ثانياً: إن تضخيم جدول أعمال طاولة الحوار يساعد على الافتراض سلفا ان الحوار الذي قد يبدأ غداً ربما لن ينتهي قبل انتهاء ولاية الرئيس ميشال سليمان الذي سيرئس هذا الحوار، وربما يستهلك ولاية الرئيس الذي سيخلفه وأكثر من ذلك ايضا.

والدليل العملي والواقعي على هذا، أن الذين تحاوروا لوضع البيان الوزاري احتاجوا الى ثلاثة أسابيع من الجدال والمناقشات، والخلافات طبعا، كي يتفقوا على جملة واحدة: "حق الدولة والشعب والمقاومة" في مواجهة أي عدوان اسرائيلي. وان كلمة "كنف الدولة" جبهت برفض حازم ومثير. وهذا ما يدفع الى القول ان كل بحث في الاستراتيجيا التي يفترض ان ترسم مسارا متفقا عليه ومرجعية متفاهما عليها لقرار الحرب والسلم انما ستواجه حائطاً مسدوداً !

ربما لهذا السبب بدأت توضع في التداول تخريجات جديدة لا ترقى الى مستوى الحديث عن الاستراتيجيا الدفاعية، بل تتراجع الى حدود الحديث عن "التنسيق" بين الدولة و"حزب الله".

وفي الواقع، لا يمكن وسط الجو المتشنج الذي يسيطر على البلاد، ووسط شرارات الفتنة المتنقلة من بيروت الى طرابلس مرورا بالبقاع، وتحت ضغط الضغائن والجروح والكراهيات التي تعمقت بعد 7 ايار الماضي، الحديث عن حوار وطني شامل وتأسيسي يتناول كل الملفات الخلافية والمشاكل العالقة، لأن هذه الملفات ستشكل حقلا هائلا من الرمال المتحركة التي لن تلبث ان تفشّل المؤتمر وتسقط الحوار حول موضوع السلاح واستراتيجيا الدفاع، وهو الموضوع الاساسي الذي اتفق في الدوحة على أن يكون محور الحوار الوطني.

وهذا لا يعني بالتأكيد ان المواضيع الاخرى، التي توضع في التداول كأفكار مقترحة او كبالونات لاستكشاف ردات الافعال، ليست مهمة او ملحة أو أنها لا تحتاج الى حوار هادئ وعقلاني ومنفتح. بل على العكس فهي مهمة جدا، ولكنها تحتاج الى مقاربة مدروسة وهادئة والى تحضير دقيق في جو من التفاهم.

ولأن الذين سيشاركون في الحوار، وهناك الآن دعوات الى زيادة عددهم (!) لن يهبطوا الينا من الفضاء الخارجي بل هم يمثلون مختلف التيارات السياسية في البلاد،
ولأن لهؤلاء من يمثلهم في حكومة الوحدة الوطنية – من غير شر – وكذلك في البرلمان الذي تعود اليه الكلمة الفصل في كل الأمور المقترحة كمواضيع للحوار وخصوصا منها ما يتعلق بتعديل الدستور،

لأجل هذا كله تقضي الحنكة والموضوعية ألا يتم الحوار دفعة واحدة فيشمل كل المواضيع بل ان ينطلق في قسم أساسي منه داخل الحكومة ومجلس النواب، أولا للحيلولة دون غرق مسألة الاستراتيجيا الدفاعية التي طال الحديث عنها في الرمال المتحركة للمواضيع الاخرى، وثانيا للحيلولة دون الاصطدام سريعا بالفشل بما يعطل الحوار كمبدأ لا مفر منه لانتشال البلاد من حافة الوقوع في الحروب الاهلية والفتن المذهبية.

***
في أي حال، تكتسب دعوة الرئيس سليمان الى تعديل "اتفاق الطائف" بهدف تعزيز صلاحيات رئيس الجمهورية واعطائه حق حل مجلس النواب وحل مجلس الوزراء واعادة النظر في مهل توقيع القوانين والمراسيم وتوضيح مسألة نصاب انتخاب رئيس الجمهورية بحيث لا يتكرر الجدل المضني الذي شهدناه قبل انتخاب سليمان – تكتسب هذه الدعوة أهمية بالنسبة الى المسيحيين وحقوقهم التي سبق أن حوّلها البعض طبلا يُقرع لتجميع الانصار المغشوشين والمؤيدين الواهمين في الانتخابات.

إن العريضة النيابية حول ضرورة توافر الاجماع على التوطين بما يحول دونه نهائيا ويغلق دكاكين المتاجرة الرخيصة به، وكذلك جعل سن الانتخاب 18 سنة، يتطلبان فتح الباب لتعديل الدستور، وهو ما قد يفتح الباب امام اقتراحات سليمان.

ولكن اذا كان المطلوب استحضار كل المواضيع الاقتصادية والاصلاحية، وخصوصا اقتراح الرئيس نبيه بري لتشكيل هيئة وطنية تعمل على تحديد مفهوم موحد للوطن والمواطنة والمواطنية وتدرس سبل الغاء الطائفية السياسية، فإن ذلك يعني اننا وسط رياح الانقسامات التي تعصف بالبلاد سنذهب الى حوار قد يستمر الى الابد سواء حول الاستراتيجيا الدفاعية ولأسباب معروفة جدا وسواء حول المواضيع الاخرى التي يشكل بحثها منطلقا لمؤتمر تأسيسي بكل معنى الكلمة، رغم اننا بصدد تصحيح الاوضاع في لبنان لا بصدد إعادة تأسيس لبنان !

المصدر:
النهار

خبر عاجل