#adsense

ساركوزي يجري تجربة طبية على نظيره السوريّ

حجم الخط

الأسد يزيّن لنفسه بأنه "بوتين" والفرنسيون يطمئنوننا: إنها من عوارض العلاج
ساركوزي يجري تجربة طبية على نظيره السوريّ

ظهر الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي في دمشق عالماً مرموقاً في الفيزيولوجيا السلوكية وهو يجري تجربة على نظيره السوريّ. ولم يخف ساركوزي ذلك بل جاهر بالأمر على الملأ وبشكل مكشوف أمام مضيفه.

ساركوزي بدا في دمشق كأنه يستوحي القوانين الموروثة عن إيفان بافلوف بخصوص انفعالات واستجابات الجهاز الهضمي. أطلّ على الإعلام وعرض نبذة عن النشرة الطبية لسلوكيات الرئيس السوريّ في الأشهر الماضية بخصوص ملفات التفاوض مع اسرائيل وإصلاح العلاقة مع لبنان والتميز عن ايران. شدّد على أن التجربة المخبرية التي يجريها على الأسد ذات طابع نصف وقائي ونصف علاجي. قال ما معناه إن تعاون النظير السوري يُقيّم مرحلة في تلو مرحلة وإنه ينبغي التفريق عند كل عتبة بين ما هو تدقيق علمي صرف في ما يحرزه الأسد من استجابة سلوكية وبين ما هو مجاملات من شأنها تشجيعه على المزيد من الإندفاع وراء التمارين والعلاجات التي تعرض عليه.

قال ساركوزي ان "فرنسا تشدّد على استقلال لبنان وأن المسيرة التي بدأناها مع الرئيس السوري تمتد على مراحل" وأن "إعادة الثقة" ليس مسألة زيارة أو زيارتين وإنما يتطلّب جهداً حقيقياً.. ومثابرة.

حدّد ساركوزي عيادياً المشكلة التي تعانيها سوريا ورئيسها. إنها العزلة. هو يأتي لتحرير سوريا من العزلة. لكن العزلة لا تزول عن سوريا بمجرّد وطأه لمطار دمشق أو لقصر الشعب. العزلة فرضتها سوريا على نفسها وعليها أن تتخذ قراراً "سيادياً" بتجاوزها. ساركوزي يدفع التهمة عنه في كل مرة ويشدّد على سيادة لبنان، لكن في الحقيقة فإن ما يهمه الآن هو سيادة سوريا، وهو يرى أنه ما دامت سوريا في عزلة، أي منساقة وراء ايران، فإنها منتقصة السيادة.

خروج سوريا من العزلة لا يكون بمجرّد أن يتقبّل بشّار الأسد إجراء تجارب تركية واسرائيلية وفرنسية عليه. الهدف المتوخى أصلاً من هذه التجارب هو تأهيل سوريا لسلوكيات متفلتة شيئاً فشيئاً من القيد الإيراني. صحيح أن سوريا تتصور حتى اللحظة أن بإمكانها الخروج من العزلة غربياً ودولياً دون إدارة الظهر لإيران، وعلى قاعدة الإكتفاء بالتفاوض "التقني" مع اسرائيل، لكن ما يحاول عالم الفيزيولوجيا السلوكية نيكولا ساركوزي الإيحاء به هو أنّ تصوّرات سوريا قبل دخول رئيسها في التجربة المخبرية سوف تتعدّل هي أيضاً مرحلة تلو مرحلة. سوريا تعتقد أنّ شبكة الإتصالات التي أثمرت اللقاء الرباعي يمكن أن تغنيها عن مراجعة علاقاتها مع ايران. لكن ما استلفته من اسرائيل وفرنسا لتتميم هذا اللقاء لا يمكنها سداده إلا بمراجعة هذه العلاقة.

سوريا التي عادها ساركوزي ما عادت "رجل الشرق الأوسط المريض". لكنها أمست حالة يجري عليها الرئيس الفرنسي تجاربه العلمية. هي الآن تقول انها نفضت غبار العزلة ما أن زارها ساركوزي، لكنها لن تتخلى عن ايران و"حماس" و"حزب الله". لكن هدف الزيارة من أصله هو مساعدة سوريا على اختيار أحد الأمرين: إما خيار الإنفتاح، وإما خيار الممانعة. ساركوزي ينتدب نفسه لمساعدة سوريا كي تختار. يقدّر وضعها المتأرجح. يعرف أنها تعتبر هذا التأرجح تذاكياً على الجميع. يعرف أن أنظمة كثيرة في العالم الثالث تتخيل أنها أذكى من الديموقراطيات الغربية. ولأجل ذلك يواصل الرهان.

وساركوزي لا يخفي المفاعيل السلبية الجانبية لهذه العلاجات والتمارين التي تجرى لسوريا، وإن كان لديه ميل ككل مكتشف متحمّس في الصيدليات للتقليل من الإرتدادات العكسية.

وجزء أساسي من رهان ساركوزي هو ما يمكن أن تفرزه ايران والقوى المرتبطة بها من ردّات فعل تجاه الوضعية الملتبسة لسوريا. فمهما طمأنت سوريا ايران، وحتى لو كان ذلك عين ما تؤمن به سوريا، فإن ايران والموالين لها ليس يمكنهم أن يتأكدوا من ذلك إلا بوضعهم سوريا، على طريقتهم، تحت اختبارات جديدة.

أما الرئيس السوري بشّار الأسد، موضع الإختبار من الجهة الغربية والمرشح للإختبار من ايران، فلا يجد حرجاً في ذلك عندما يخاطب الأمزجة الغربية. بالعكس تماماً يطالب بالمزيد. يقول انه أنجز تمارين تركية فاسرائيلية ففرنسية وأن الحصيلة الطبية العامة جاءت مشجعة، وبالتالي فمن حقّه الإرتقاء إلى المختبر الأميركي ومن هنا مناشدته للولايات المتحدة بأن تشرف مجدّداً على المفاوضات مع اسرائيل، مؤكداً أن المكابرة بأن "المفاوضات تبدأ من حيث توقفت" دفنت مع صاحبها، وأن العهد الجديد في سوريا ينسخ ما قبله في هذا المجال. المفاوضات مع اسرائيل يمكن أن "تبدأ من أي مكان" بشرط ألا تصل إلى نتيجة، وتبقى مفاوضات من أجل المفاوضات، فلا سوريا ترغب في نضوب ركيزتي شرعية نظامها (تحرير الجولان، والظهور بمظهر القادر على التفاوض لتأمين الإستقرار في المنطقة) إذا ما أبرمت تسوية وعاد الجولان، ولا اسرائيل مستعدة أصلاً لإعادة الجولان الذي ضمّه الكنيست عام 81 إلى أراضي الدولة العبرية وهو ما لم يحدث بالنسبة إلى الضفة الغربية.

تجاه الغرب يفخر الرئيس السوري بأنه صار قبلة للإختبارات والتجارب المخبرية والعيادية التي تعمل على تنشيط سلوكياته وتأهيلها بإتجاه الإسهام في استقرار المنطقة. لكنه لا يسعه التفاخر بذلك أمام المنطقة العربية. إن كان ساركوزي أجرى تجربة عليه في "قصر الشعب" فإنه لم يزل بشّار الأسد الذي ألقى الحجة على العالم العربي ككل من "قصر المهاجرين" فور توقف مدافع حرب تموز عام 2006. لأجل ذلك فإن من يفخر بالإختبارات "البافلوفية" عليه، يعود ويطرح نفسه أمام اللبنانيين والعرب كما لو أنه "بوتين الشرق الأوسط"، وهو لأجل ذلك يذكّر بأن لبنان أيضاً ما زال يتلقى علاجات، بل يصف الوضع اللبناني بالهشاشة ويحرص على اظهار "قلقه" حيال ما يحدث في طرابلس.

لبنانياً، لا داعي لإظهار القلق من تصريحات الرئيس السوري حول هشاشة لبنان وحول التطرّف في طرابلس. أصلاً الدورة الطبية التي يجريها الأتراك والفرنسيون لسوريا هي لإخراجها من العنوان الأبرز للتطرّف في المنطقة: ايران والمنظمات التي تدور في فلكها. ثم انه لم يصدر قرار دولي بعد يطلب بمنع تدفّق الأسلحة من لبنان إلى سوريا، وإنما صدر في نهايات حرب تموز قرار يطالب بالعكس تماماً، أي منع تدفق السلاح من سوريا إلى لبنان، وفي العراق طالبت السلطات غير مرة بمنع تدفق السلاح عبر الحدود مع سوريا.

بشّار الأسد لم يعد "رجل الشرق الأوسط المريض". لكنه صار رجل الشرق الأوسط الذي يتقبّل اختبار بافلوف في السلوكيات عليه. وهو في واحدة من المفاعيل السلبية لهذا الإختبار يؤكد بأنه "بوتين المنطقة". لا بأس، الرئيس الفرنسي يؤكّد بأنّها عوارض جانبية وعابرة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل