#adsense

الرئيس سليمان مدعو إلى اتخاذ خطوات جريئة وقرارات كبيرة

حجم الخط

لأن الأمن الثابت يتطلب تحقيق وفاق وطني حقيقي
الرئيس سليمان مدعو إلى اتخاذ خطوات جريئة وقرارات كبيرة

بات الوضع الامني المقلق ودخول الدولة او الدويلات في سباق مع الدولة الواحدة الموحدة وترسيم حدود كل منهما يتطلبان من الرئيس ميشال سليمان الاقدام على خطوات جريئة وسريعة وقرارات كبيرة، لان كل تأخر في الاقدام عليها، ليس في مصلحة قيام الدولة القوية القادرة بل هو في مصلحة قيام الدويلة والدويلات التي يعمل الوقت الضائع لمصلحة قيامها، وان مقومات قيام الدولة تتهاوى وتتآكل مع الوقت بحيث يصبح من الصعب البناء عليها.

مسؤول سابق شبّه كل تأخر في اقامة الدولة القوية القادرة، في انتظار اتفاق اللبنانيين على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم على اقامتها، بصاحب فندق لا يضع لائحة الطعام لزبائنه الا بعد ان يقف على آرائهم وعلى اذواق كل واحد منهم، حتى اذا لم يتفقوا على وضع هذه اللائحة بقي الزبائن بدون طعام!

لذلك، ليس على الرئيس سليمان، وهو رب البيت والادرى بما فيه، سوى ان يتخذ القرارات الكبيرة التي تكون على قياس مصالح الوطن وليس على قياس اي فئة من فئاته، فإذا رأى ان الحوار هو السبيل الصحيح الى المصالحة الوطنية الشاملة، فإن عليه ان يأخذ، وبسرعة، مبادرة الدعوة الى هذا الحوار ويحدد جدول اعماله. اما اذا رأى ان المصالحة الوطنية الشاملة ينبغي ان تسبق اي حوار، من اجل ضمان نجاحه فما عليه الا ان يعمل على تحقيق هذه المصالحة اولاً، وخصوصاً بعدما تبين ان تشكيل الحكومة الجديدة التي تحمل اسم حكومة "الوحدة" الوطنية، وهو اسم لغير مسمى، لم توحد اللبنانيين، وكان يفترض لو انها كانت حكومة "وحدة وطنية" فعلاً لا قولاً، ان تشكل هي طاولة الحوار في اطار مجلس الوزراء وان تناقش المشاريع والقضايا المطلوبة مناقشتها توصلاً الى اتخاذ قرارات في شأنها، الا ان هذه الحكومة كانت، بكل اسف، حكومة اضداد ومتخاصمين ولا شيء يجمع في ما بينهم سوى الكرسي الوزاري، وان بعضهم يعمل منذ الآن على تحضير معركته الانتخابية وتأمين الخدمات الخاصة لناخبيه وان على حساب الخدمات العامة، وان يدخل في تنافس حاد وشديد مع نظرائه في الحكومة في هذه المعركة.

وربما ان لا امل يرتجى من الحكومة الحالية في تحقيق الوحدة الوطنية ليس بين اعضائها فحسب، بل ايضاً بين جميع الزعماء اللبنانيين على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم، فإن الرهان الكبير لتحقيق ذلك معقود على الرئيس سليمان، كونه سيد العهد، ورب البيت الذي ان لم يبن هو، فعبثاً يبني البناؤون.

ولقد وصف الرئيس سليمان عهده عند انتخابه رئيساً للجمهورية بـ"عهد المصالحة" ودعا غير مرة في احاديثه وتصريحاته الى تحقيق المصالحة لانها السبيل الافضل والاسلم لتثبيت الامن وترسيخه في كل لبنان، ولان الانشقاق والانقسام والخصومات بين الزعماء اللبنانيين هي التي تجعل حبل الامن يضطرب في غير منطقة وفي غير مدينة من مدن لبنان. وعندما يهتز حبل الامن وتقع الاشتباكات المسلحة بين افرقاء النزاع ويختلط الحابل بالنابل، فإن الايدي الغريبة والخفية ومن جنسيات مختلفة، تدخل على الخط لتذكي النار وتؤجج الخلافات والنزاعات تحقيقاً لاهدافها ومصالحها. فليس سوى تحقيق المصالحة الوطنية الشاملة التي لم تتحقق في اي عهد الا بالشعارات وليس بالقرارات، ما يجعل الحوار حول المواضيع الاساسية والمهمة ناجحاً. وليكن موضوع المصالحة هو موضوع الاتفاق على اقامة الدولة القوية القادرة التي لا سلاح غير سلاحها، ولا سلطة غير سلطتها، ولا قانون غير قانونها على كل اراضيها، فكما ان الصحافي الراحل جورج نقاش قال في مقاله الشهير على اثر وضع ميثاق الـ 43 غير المكتوب ليكون اساساً يبنى عليه استقلال لبنان التام الناجز: "سلبيتان لا تؤلفان امة" فإن "وجود جيشين في لبنان لا يؤلفان دولة". وكان النائب وليد جنبلاط اعلن في كلمة انه "لا يمكن وجود دولة موازية للدولة في لبنان وحزب يقرر السلم والحرب".

والسؤال المطلوب جواب اللبنانيين جميعاً عنه هو: هل يريدون دولة لبنانية واحدة تبسط سلطتها وسيادتها على كل الاراضي اللبنانية وتطبّق القوانين على الجميع بدون تمييز، ام ان فئة منهم تريد قيام هذه الدولة وفئة اخرى تريد قيام دويلة الى جانبها تحت ذرائع شتى وترى ان لا تناقض بين قيام هاتين الدولتين ولا تناقض بين سلاح خارج الشرعية وسلاح الشرعية؟ وقد اثبتت التجارب الكثيرة التي مر بها لبنان ان لا مجال للتعايش بين سلاحين وجيشين، وقد كانت نتيجة ذلك قيام الدويلات التي قضت على مقومات قيام الدولة، وان وجود جيوش الى جانب جيش الدولة، انهى وجود هذا الجيش وقضى على فاعليته وقدراته القتالية، بدليل ان جيوش التنظيمات الفلسطينية التي ايدتها فئات لبنانية، جعلت فئات اخرى تؤيد جيش الدولة اللبنانية من دون سواه، فانتهى الامر بسقوط الدولة وقيام حكم الدويلات التي اقتطعت لنفسها مناطق خاصة بها في لبنان تتشابه حدودها وتتداخل ببعضها البعض، وبات يخشى اذا ما استمر الوضع الامني في البلاد على ما هو من تدهور لم يحسم لمصلحة الوطن والمواطن، ان يتكرر قيام الدويلات الى جانب الدولة ويتكرر حادث سجد فتسود عندئذ الفوضى وشريعة الغاب!

وعندما يتحمل الرئيس سليمان مسؤوليته الوطنية والتاريخية في تحقيق الوفاق الوطني الحقيقي بين جميع الزعماء اللبنانيين، فإنه يستطيع في الوقت نفسه ان يحمل كل زعيم مسؤولية تخلفه، او رفضه او عرقلته، يتحقق هذا الوفاق ويترك للتاريخ والشعب ان يحكما، واذا كان يتعذر جمع كل المطلوب جمعهم لتحقيق الوفاق والمصالحة في ما بينهم دفعة واحدة، فإن في الامكان جمعهم على دفعات، حتى اذا ما تحققت المصالحة بالمفرق، فإنه يصير في الامكان جمع المتصالحين بالجملة لتتويج اجتماعهم باعلان المصالحة العامة. وللرئيس سليمان، اذا شاء ولزم الامر، ان يستعين بمن يرى الاستعانة بهم من فاعليات سياسية واقتصادية ودينية لتحقيق هذه المصالحة. فيخلق عندئذ المناخات الصافية والاجواء الهادئة للانتخابات النيابية المقبلة التي تمهد لنجاح المساعي لتشكيل لوائح ائتلافية حيث يمكن ذلك.

فهل يقدم على هذه الخطوات المهمة قبل فوات الاوان؟

المصدر:
النهار

خبر عاجل