لقاء عون ـ فارس اصطفاف جديد ضمن التوليفة السورية
مصطحباً معه كالعادة صهره، طار النائب ميشال عون ليحطّ على متن يخت السيد عصام فارس المركون على شواطئ فرنسا، حيث الجولة الأولى في محطة المواجهات المقبلة، وعلى رأسها مواجهة الانتخابات النيابية، وعكار إحدى أبرز محطاتها التي تم انتشالها من وحل الهيمنة السورية، وبالتالي لم يعد نوابها نواطير أو باش كاتب عند عريف في المخابرات السورية، كما درجت العادة مع نواب المنطقة منذ عقود، ولعل أهمية عكار ليس فقط على المستوى الجغرافي للأراضي السورية، إنما أضف الى ذلك التواجد العلوي فيها، وقد بدأت بوادر تحركات العلويين المدروسة والموجهة تنشط مؤخراً، ولعل خير دليل على هذه المؤشرات ما حصل في بلدة الشيخلار حيث سقط عدد من الجرحى وقتيل، وهو ليس بالأمر الصدفة بل هو تحرك مدروس ولن يكون الأخير على مستوى هذه التحركات، والشمال الذي من الواضح أنهم يحضرونه ليكون القاعدة التي سينطلق منها المشروع التخريبي ـ الارهابي ليطال كل الأراضي اللبنانية، واختيار الشمال تحديداً منطلقاً للتخريب السوري إنما هو مقصود لعدة أسباب وعوامل إذا ما تقاطعت مع بعضها البعض تؤدي الى الهدف السوري المنشود.
ولكن ما علاقة لقاء عون ـ فارس الباريسي بما يحصل في الشمال وتحديداً في بعض قرى عكار؟
من الخطأ بمكان أن نفصل بين ما حصل ويحصل في يومياتنا اللبنانية منذ استشهاد الرئيس الحريري وما رافق هذا الزلزال من انفجارات واغتيالات واستنكاف وزراء حزب الله ورفاقهم وما تلا ذلك من غزوات داخلية ليس آخرها "فتح بيروت" في السابع من أيار، ولن يكون آخر عناقيد غضبها قتل الضابط سامر حنا وبدم بارد على أيدي ميليشيا حزب الله التي أصبحت العبء والضرر والخسارة على مستوى كل لبنان بعدما تحولت هذه الميليشيا الى مجموعة خارجة عن القانون ترتكب من دون أي رادع ومن دون أي رقيب أو حسيب.
المايسترو السوري ينظم مجموعاته اللبنانية كل بحسب الدور المطلوب منه أن يلعبه، ولعل وضع السيد عصام فارس على الرف حتى تحين ساعته كان أمراً متعمداً ومخططاً له من قبل، ولا مندوحة من تذكير اللبنانيين أن السيد فارس لم يشارك لا من قريب ولا من بعيد بأي نشاط أو ذكرى أو حدث منذ انسحاب جيش الاحتلال السوري عن أرض لبنان، وهو غيّب نفسه طوعاً وبشكل إرادي عن الساحة اللبنانية منذ انطلقت ثورة الأرز وتعممت ثقافتها على أرجاء الوطن، وعكار الخزان البشري الذي شارك ويشارك في تأمين الاستمرارية الحيوية لنشاطات 14 آذار، الأمر الذي أفقد فارس وعون زخمهما وحضورهما على الواقع العكاري، وهذا ما حدا بالسيد فارس للابتعاد وبالتالي الامتناع عن خوض الانتخابات الأخيرة، لعلمه أن الضابط السوري الذي كان يؤمن مستلزمات المعارك الانتخابية السابقة لم يعد موجوداً، من هنا وجدنا الرجل الموسمي الذي أوقف كل نشاط اجتماعي أو انمائي في مناطق عكار، فغابت معه تلك النشاطات التي فعلاً يجب توصيفها بأنها موسمية.
اليوم عاد السوري مستهضاً همته مستعملاً كل أدواته ووسائله وأصدقائه، مستعيداً لفكرة التسليف، أي أن السوري جاء اليوم الذي سيطلب من الذين سلفهم في السابق لكي يردوا له المعروف… وعكار لن تقوم بميشال عون وحده، ولا بباقي الأحزاب الموالية لسوريا كالقومي والبعثي، فهذه كلها لا تزيد في رصيد عون والسوريين سوى بضعة أعداد بعدما تحولت بمعظمها الى البوتقة البرتقالية، لنفهم اليوم لماذا كان عون يشدد على المسؤولين في التيار عشية وصوله الى لبنان ضرورة تنسيب قوميين وبعثيين وفلول سوريا الى صفوف التيار، لأسباب جهلناها سابقاً، ولكنها بدأت معالمها تتوضح اليوم، خاصة مع إعادة إحياء وإنعاش السيد عصام فارس.
ما هو المخطط لعكار سورياً؟
على المستوى الأمني، بدأنا نشهد منذ فترة تحركات ميدانية في الجرود العالية المتاخمة لبعض قرى القبيات ـ عندقت ـ أكروم، وهذه المناطق الجردية والتي يطلق عليها تسمية منطقة الشنبوق، أو كما يعرّف عنها أبناء المنطقة بإسم الجعافرة أي نسبة الى عائلة جعفر حيث التواجد الشيعي وتحديداً تواجد حزب الله، والبلدات المسيحية هناك عانت الأمرين في السابق من هذه الجرود، بحيث كانت تتخذ أشكالاً مختلفة تارة على الحدود والأراضي المتداخلة وطوراً على استعمال بعض الأراضي للرعي بشكل تعدي على أملاك الغير، وإذا كانت عكار ذات الغالبية السنية، وقفت وقفة العز والاباء الى جانب خط ثورة الأرز، وهي حصلت على كافة المقاعد النيابية لتقول نعم لقوى 14 آذار، ولترفض سياسة الهيمنة بعدما عانت لثلاثين سنة من نير الاحتلال السوري، يجد النظام السوري نفسه أمام الخيار التخريبي، تماماً كما فعل في طرابلس بين المنطقة العلوية وباب التبانة، وهو خسر في رهانه عبر محاولات عدة لتأليب الرأي العام السني الحليف له والمتمثل بقلة قليلة، فحتى هؤلاء لم يتمكنوا من مواجهة الشارع والرأي العام الجارف مع خط 14 آذار، ولعل موقف الرئيس كرامي يؤكد هذا الكلام، وقد يكون تحريك العلويين في بعض قرى عكار بداية لتحرك ما ينوي السوريون القيام به، وبذلك لا يكتفي هؤلاء بالزنار الشيعي على مستوى القمم بل يتم تدعيمه من العمق العكاري عبر العلويين وان قلّ عددهم، وهذه كلها تشير الى التحضير الميداني لإحداث خرق ما قبيل موعد الانتخابات النيابية على قاعدة زرع الشقاق في الصفوف وبالتالي تسويق معادلة رعب لدى الأهلين مفادها أن العسكر السوري عائد، وهكذا يعود شبح المفارز الاستخباراتية السورية والتي أرعبت الناس وأنزلت بهم كل أنواع الترعيب والترهيب حتى القتل.
والتحركات الأمنية ـ التخريبية تتقاطع مع بدايات التحركات السياسية التي بدأت معالمها بالبروز مع لقاء الثنائي عون ـ فارس على متن يخت الأخير، وطبعاً بتنسيق وتخطيط مع السوريين، والهدف مواجهة قوى 14 آذار ولكسر حركتها في عكار، على اعتبار أن سيطرتهم على عكار تساند وتساعد بعض جماعاتهم في كل من طرابلس وزغرتا… الواضح ان الحجم الشعبي لكل من الرجلين سطحي ومتواضع جداً، ولكن الواضح أيضاً أن الحجم المالي المعّد لصرفه وإغداقه في عكار يمنن الرجلين نفسيهما بأن يحصلا على مردود انتخابي في ربيع 2009، ولكن يبقى أن الواقع السياسي لن يساعدهما على الاطلاق، خاصة وأن اللبنانيين بات خيارهم واضحاً خاصة بعدما دفعوا أثماناً باهظة على مذبح الوطن ولن يقبلوا أبداً بالعودة الى زمن الهيمنة السورية.
عكار اختارت نهجها، وهي لن تقدم أية خدمة خاصة لقتلة النقيب حنا، ولا لحلفاء القتلة…