وقاحة متأصلة وبراءة معهودة
يحترف الاسد الابن كما الاب اللعب في الوقت الضائع وكسر العزلة عن نظامه كلما اشتدت. فبعد ان شرّع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ابواب باريس في تموز الماضي للرئيس السوري ومن خلالها نوافذ على دول عدة خصوصاً عبر مشاركة الاخير في الاتحاد من اجل المتوسطية، ها هو الاسد بدوره يشرّع ابواب دمشق للرئيس الفرنسي الطامح للعب دور رئيس على الساحة المتوسطية ويعقدان مع القطري والتركي قمة رباعية.
أنه تقاطع مهم للمصالح بين ساركوزي الذي حصد في زيارته عشرات الاتفاقات الاقتصادية والتعهدات التي حصلت عليها الشركات الفرنسية، والاسد الذي يسعى الى تلميع صورته عالمياً واعطاء دفع للمسار التفاوضي مع اسرائيل. وهذا دفْعٌ تعهد به ساركوزي واكده اردوغان عبر تحديد جولة خامسة من التفاوض بين دمشق وتل ابيب في انقرة، والقطري حكماً خبير في بلورته خصوصاً ان لاسرائيل ممثلية في الدوحة.
إلا ان هامش التحرك الفرنسي سياسياً ليس مطلقاً، من هنا سعى ساركوزي في اكثر من مرة خلال زيارته الى العاصمة السورية الى توجيه رسائل تطمين للاعبين العربيين والاقليميين السعودي والمصري. كذلك شدد على اهمية الدور الاميركي في اي مسار تفاوضي او حل للمشاكل التي تناولها البحث في القمة الرباعية. كما اصر ساركوزي ان الحلحلة في لبنان شكّلت وتشكّل المعبر الحتمي للعلاقات الفرنسية – السورية، مذكّراً باهتمام الشعب الفرنسي بلبنان وشعبه. لذا مخطئ من يراهن على البناء على التمايز الفرنسي – الاميركي الذي قد تتسع رقعته احياناً إلا انه يبقى ضمن اطر المصالح المشتركة الكثيرة.
بالامس تنفّس الاسد الصعداء بعد القمة الرباعية معتقداً انه دفن 26 نيسان 2005 ، بعد ان سعى لذلك عبر نادي "شكراً سوريا" الذي زاد وهجه بانضمام العماد ميشال عون اليه والتنطّح في الدفاع عن دمشق وعن انجازات "حزب ولاية الفقيه". بشّرنا الاسد ان الوضع في لبنان لا يزال هشاً. إنه محق في قوله لانه يحصد ما زرعه خلال سنوات من الاحتلال، ومرتزقته ابطال المسلسل المتنقل للاخلال بالامن، ونادي "شكراً سوريا" يسعى لتعطيل قيام الدولة.
بوقاحة متأصلة، اعلن الاسد أنه اعطى "امر مهمة" للرئيس ميشال سليمان وطالب منه ارسال مزيد من قوات الجيش اللبناني الى الشمال وعلى وجه السرعة والا لن يبقى لبنان مستقراً مع وجود التطرف، محذراً ان أي شيء ايجابي تحقق في لبنان سيصير بلا قيمة.
وببراءة معهودة، وبما أن "المجالس بالامانات" كشف الاسد ان الرئيس ميشال سليمان "وافق" على الانضمام الى المفاوضات عندما تنتقل الى مرحلتها المباشرة، زارعاً بذلك لغماً بين العهد الجديد و"حزب الله" الذي يعيش نشوة انتصاراته الالهية. وفي المقابل سارع الاسد مساء في مقابلة خاصة مع قناة "المنار" للتأكيد على تمسكه بورقة المقاومة ، مؤكداً أن لا مصلحة لبلاده في التخلي عن المقاومة "لأننا لسنا دولة هدايا". ما يعني أنه يحاول رفع سعر هذه الورقة ويستدرج عروضاً لبيع رأس المقاومة على قارعة المسار التفاوضي.
ومساء الاسد كما مساء حسن نصرالله تمسّكٌ بسلاح المقاومة وإن اختلفت النوايا. فاطل هذا الاخير ضارباً بكل ما اوتي من قوة "رعد" و"زلزال" و"خبير" طاولة الحوار المرتقب عبر جزمه ان السلاح باق حتى لو تحررت مزارع شبعا في اطار استراتيجية دفاعية. يرسم سقفه ثم يدعو الى طرح المسألة على طاولة الحوار!!! يزمجر قائلاً: "ان جلد حزب الله لا يسلخ ولن يسلخ ولن يستطيع احد في يوم من الايام تحقيق هذه الامنية". ولكن لا جلد للبنانيين إلا جلد البزة المرقطة ومؤسسات الدولة.
بكل مكر ورياء، يعلن نصرالله انهم "لا يحتكرون المقاومة لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل، ومن يريد المقاومة فلن يمنعه احد". انه استغباء ليس فقط للبنانين بل للتاريخ، فحزب "ولاية الفقيه" عمد الى تصفية الكوادر العسكرية للحزب الشيوعي، وضرب جبهة المقاومة اللبنانية الوطنية "جمول" في النصف الثاني من الثمانينات، وخاض حرباً ضروساً مع شقيقه اللدود "حركة امل" ليس فقط على النفوذ السياسي بل لاحتكار قرار المقاومة. وتكفلت سوريا بترويض حلفائها من "بعث" و"سوري قومي اجتماعي" وضبط "البواريد المأجورة". فأحكم بذلك الحلف السوري – الايراني الامساك بما يسمى ورقة المقاومة التي تكفل "حزب الله" بتجيرها له.
وكشف لنا نصرالله عن "ابو وجيه الهي"، اذا اكّد في معرض تعليقه على جريمة الغدر في سجد ضد مروحية الجيش اللبناني انهم "لا يسلمون أحداً قسراً ابداً". إنه نهج اللادولة الذي تعتمده قوى "8 آذار" من جريمة رأس العين ورفض رئيس تيار المردة سليمان فرنجية تسليم القاتل، الى جريمة زحلة ورفض الوزير الياس سكاف تسليم الجناة. ومننا ان "المقاوم الشريف" الذي قتل النقيب الطيار سامر حنا سلم … نفسه "طوعاً".
فهل يعلم الاسد أن التاريخ لن يعود الى ما قبل 26 نيسان 2005، وان لعبة كسب الوقت لا بدّ ان تدنو ساعتها، وأن "اوامر مهمته" لا تلزم سوى مرتزقته؟ وهل يعلم امين عام "حزب الله" ان سلاحه ليس سرمدياً وان لا خيار له سوى الحوار عاجلا اما اجلاً؟!