الجنرال عون يجدّد عدوانه على الحرية والصحافة
من تابع في عام 1989 تعيين ميشال عون نفسه رئيس حكومة "ألّفها" تقسيمية فئوية، وعسكرية، و"حقق" عبرها حربين واحدة ضد السوريين لأن الرئيس الراحل حافظ الأسد رفض "تعيينه" رئيساً للجمهورية، وسميت "حرب التحرير"، وثانية ضد القوات اللبنانية "لتوحيد البندقية" وإلغاء أي حضور سواه على الساحة المسيحية وسميت "حرب الإلغاء".
والكل يذكر أن جنرال الهزائم المبكرة والمتأخرة (ربما من نعومة أظفاره وأضراسه) منع أثناء احتلاله قصر بعبدا، و"تزعيم" نفسه رئيس حكومة برتبة رئيس جمهورية! منع كل الجرائد والمجلات آنئذ التي لم تكن تلقبه "بدولة الرئيس" من الدخول الى المناطق "الشرقية" وفي مقدمة هذه الجرائد "السفير" التي نشرت في الصفحة الأولى آنئذ نسخة طبق الأصل عن رسالة عون الى الرئيس الأسد يقول له فيها "أنا جندي صغير في جيشك الكبير". وشن في تلك المرحلة المشؤومة حرباً على كل منبر إعلامي لا يعترف به رئيساً لحكومة (احتل القصر الجمهوري، يا للمفارقة!)، وسمح (من دون أي صفة رسمية) لكل صحيفة تلقبه بدولة الرئيس! (المهم كلمة الرئيس) بالدخول الى مناطقه الخاصة التي ورثها عن جده وأبيه. ويبدو أن عداءه لكل منبر إعلامي يخالفه الرأي أو ينتقده، تضخّم، مع تنفّخ نوبات الخيبات المتتالية، ومع فجائعه المتعاقبة في عدم تحقيق "حلمه الرئاسي الأبدي"، وازداد توتراً وعصبية وهيجاناً، كتعبير عن نفسية تعاني فوبيا "الحرية"، والديمقراطية والرأي المختلف، كما هي حال جنرالات جمهوريات الموز والخس واللوبياء.
وتتورم هذه الظاهرة عنده، أكثر فأكثر، عندما يستسلم تماماً لإرادة من ارتضى أن يصبح عنده حاجباً أو مجرد موظف أو بوق: أقصد الوصايتين ووكلاءهما داخل البلد وخارجه. ومن ينسى تلك النوبات أمام الصحافيين التي كان ينفجر بها غضباً وإهانة وشتيمة لكل الإعلام الذي ينتقده: فَبِوَجبة واحدة "كال" وفي تصريح واحد، الشتائم (وهو شتّام من نوع فتوّات الأزقة، أو عتاريس الأحياء)، لجريدة النهار و"المستقبل"، وتلفزيون المستقبل و…L.B.C وصوت لبنان، … جُنّ لسانه إذ لم يبق له سواه من حواس وتلابيب وملكات.
وإذا كان "زغلول الرابية" الذي يغرد بصوت سواه، يهاجم ويرغي ويزبد كل من يسأله سؤالاً أو يعلن على موقف له، أو يستسفر عن تصريح من تصاريحه الهمايونية، فها هو اليوم، وتطويراً لعبقريته "المفذاذة" وذهنيته "المِبزازة" وانسجاماً و"هيامه" بالحرية، يوعز بتحويل صحيفة "لوريان لوجور" العريقة الى النيابة العامة بحجة أن عنوان صفحتها الأولى يوم السبت الماضي حول "اغتيال الضابط سامر حنا عن سابق تصور وتصميم وبيد باردة" قد "استبق التحقيق" وهو عنوان "الفتنة" (آه! يا أبا الفتن وربيبها ولبونها!). إذاً ها هو صاحب "تلفزيون الأورانج" وعصير المانغا والشنكليش يتدخل بإيعاز من حليفه "الإلهي" لمعاقبة الصحيفة أمام القضاء، بعدما تلقت تهديدات من "الفرانكوفوني" ذي النبرة الإيرانية، ومن سواه من "الفرانكو ـ فرس" مطالبين بالاعتذار الرسمي من حزب الله. إذاً من التهديدات بالقوة (بسلاح المقاومة) ضد الصحافة (ونتذكر ردود فعل الحزب الإلهي العنيفة من تكسير سيارات وإحراق دواليب وقطع طرقات بعد برنامج صبياني في L.B.C انتقد ولو بخجل السيد حسن نصرالله، وكان البرنامج نفسه تطاول وبشكل سافر وسخيف على الرئيس الشهيد رفيق الحريري ووليد جنبلاط والرئيس السنيورة…
إذاً عراقة الحزب الديمقراطية "المسلحة" باحترام حرية التعبير قابلتها عراقة الجنرال "اللسانية" بالتهجم وتحويل "لوريون لاوجور" على النيابة. عراقتان من عيون الحرية، والديمقراطية، وقبول الآخر، وتعدد الآراء! تجلتا في أبهى تعبير لهما عندما عمد أطراف من 8 آذار (بقيادة الآلهة) الى إحراق جريدة "المستقبل"، وتلفزيون "المستقبل"… بتواطؤ "نبيل" من ميشال عون الذي لم يستنكر حتى هذا "العدوان" على المنبرين الذي لم يتجرأ على ارتكابه حتى شارون بحق الصحافة أثناء غزوة بيروت في 1982.
والمضحك أن جنرال العدوان على الحرية، لم يستطع تمالك إحساسه بالمسؤولية الوطنية التي لم تسمح له أن يسكت عن موضوع تحريضي مثل هذا الذي أقدمت عليه "لوريان لوجور" في نشرها خبر استشهاد الضابط الطيار حنا.
واللافت أن عون استخدم عبارتي "إحساس"! (من أين؟) و"مسؤولية" في "اعتدائه" على حرية الصحافة، وهو الذي لم يعرف يوماً لا ما هي المسؤولية، ولا ما هي الوطنية: "سدّ فمه" عن غزو بيروت وما ارتُكب فيها بتواطؤ فضحه "إعلانه النصر" في بيروت ولم يرمش له جفن "كمسؤول" عندما ذبح 13 عسكرياً في مجزرة تشرين. ولم يرف له منخار لذبح عسكره في المعارك مع حلفاء اليوم… عندما كان "في الهريبة كالغزال". فهذا الرجل الذي لم يحقق إنجازاً واحداً ونصراً يتيماً في حياته العسكرية أو المدنية (باستثناء مشاركته في ثورة الأرز التي ارتد عليها وتنكر لها وحارب فكرتها وأهلها وجمهورها)، ها هو كوكيل او كحاجب على باب حزب الله، يبرهن من جديد أنه ترسخ في الخط المعادي للدولة، وضمن المخطط الانقلابي، وإثارة الفتن: حمّال فتن ميشال هللويا! نقّال فتن، يحملونه إياها عندما لا يريدون هم أن يقوموا بها. من فتن مذهبية (يركز اليوم كما هو مأمور به على الخط المعتدل المتمثل بتيار المستقبل، وكعقاب للطائفة السنية التي رفعت شعار "لبنان أولاً"، وكانت في مقدمة ثورة الاستقلال والسيادة ويتهمها باستجلاب "السلفية" التي استجلبها حلفاؤه الى طرابلس. وأوكل إليه قبلها "مهمة" التهجم على وليد جنبلاط وإثارة مسألة عودة المهجرين الى الجبل، من دون أن يخبرنا لماذا لم يعد مهجرو حارة حريك (مسقط رأسه) الى بيوتهم، ولم يقل لنا لماذا لا تعاد إليهم ممتلكاتهم التي سُبيَتْ منهم، ليُنكَّب بعدها مهمةَ تشويه دور البطريرك (ونتذكر ما ارتكبه محازبوه وأزلامه في الصرح البطريركي وبالبطريرك في التسعينات!)، من دون أن ننسى أيضاً تركيزه على كل جمهور 14 آذار الذي وصفه بعد آخر تظاهرة ضمت مليوناً و300 ألف شخص "بالغنم". الرجل ـ الدجاجة يصف نصف اللبنانيين بالغنم! ومن دون أن ننسى تعرضه لخصمه التاريخي سمير جعجع، ونبشه المقابر الجماعية، واسترجاع صفحات سوداء من تاريخ الحروب عندنا، وقد أغفل عون المجازر الجماعية التي ارتكبها بقصفه العشوائي الملاجئ واليونسكو وبعض المناطق الآهلة بالسكان التي كان يسيطر عليها السوريون أو حلفاؤهم، أثناء "حرب التفرير" أو التحرير المزعومة!
والمشين تعاطيه مع مسألة استشهاد الرئيس الحريري وشهداء 14 آذار الذين اغتالتهم "أيدي الاجرام". واذا كان اليوم عبر "اعتدائه" على "لوريان لوجور" يحاول تغطية اغتيال الضابط الشهيد سامر حنا في سجد (إيران لاند)، فإن تبريره للقتل يضاهي تعرضه للصحيفة الفرانكوفونية عندما وصف الاغتيال بأنه "حادثة" يمكن أن تحدث في كل الحروب: وهل كان هناك حروب في سجد بين إسرائيل وحزب الله فاختلط على هذا الأخير الأمر وأسقط مروحية الجيش اللبناني؟ وهل كانت المروحية في وضعية قتالية على علو قامة (كقامة عون) لكي يكون في الأمر سوء تنسيق! وهل كانت الطوافة على أرض إسرائيلية داخل الخط الأصفر ليظنها "عتاولة" المقاومة في سجد (إيران لاند)، غير معروفة الهوية! وهذا ليس جديداً على "جنرال التواطؤ": فقد سبق أن وصف اغتيال الشهيد سمير قصير بالحادثة الأمنية، وفسّر اغتيال الشهيد جورج حاوي بأنه ربما خلاف شخصي بينه وبين أناس على قضايا… معينة… فكأن أحد الأدوار الموكولة إليه بعد تبخّر "زعامته" وتلاشي أثره في بنيته المسيحية (إضافة الى الوشاية كما استخدمها مقال جريدة المستقبل الخميس الماضي) وتشويه الحقائق وتحويل الانظار عن القتلة والمجرمين والسفاحين. ومعروف أن أي تضليل للتحقيق متصل بجريمة ما يعتبر مشاركة في الجرم. وعون في استباقه التحقيق واعتدائه على "لوريان لوجور" يندرج عبر محاولته طمس الجريمة، هو في لائحة الاتهام. ونطالب أقارب الضابط الشهيد أن يرفعوا دعوى على هذا المضلل بتهمة إخفاء معلومات أو تحريف الحقائق أو تمويه التحقيق! (ونطالب في هذا المجال برفع الحصانة عن هذا النائب الذي تواطأ أيضاً على دور مجلس النواب والحكومة والدستور).
لكن أطرف ما قاله "زغلول" الروابي الواطئة أنه "كلما قُتل أحد أفراد الجيش، فالكل (تأمل الكل) يعرف أن الدمعة تذرف من عيني". الله! فأي شخصية ميلودرامية هندية هذه! لكن السؤال من أين سيسحب الدمعة: من أي جيب. أو من أي أذن (وهناك من يبكون بآذانهم)، ومن أي زجاج! فكفكفوا أيها اللبنانيون دموع الجنرال التي فاضت على نحره وبطنه ورجليه.. ولكن أتراه ما زال يحتفظ بدموعه المهراقة عندما حوّل الجيش الى ميليشيا وحارب به ميليشيا القوات اللبنانية واستشهد من استشهد كرمى لمرضه الرئاسي. وهل ما زال يحتفظ بدموعه السيالة (من رمل وزجاج) عندما زج الجيش اللبناني بمعركة دونكيشوتية مع القوات السورية لأن اسمه حُذف من لائحة "قبول" المرشحين للرئاسة، فسقط من سقط من عناصر الجيش وضباطه (أكثر من 200 شهيد) لمشاريعه وطموحاته الشخصية.
وها هو اليوم مدرار الدمع (كدموع الخنساء أو جرير) يحكي عن ذرف دموع التماسيح في استشهاد الضابط حنا! وهل نسي جنرال الدموع المعلبة الـ170 عسكرياً الذين سقطوا في مواجهتهم حركة العبسي (وأنت تعرف يا جنرال من هو العبسي: إسأل العبابسة من حلفائك والأوصياء عليك وأولياء نعمتك الحديثة، ومعلقي الدروع على بطنك فعندهم الجواب الشافي) وعندها يمكن أن تسحب ما تشاء من الدموع من جيوبك، أو من جواربك وتمسح بها أنفك…
ولكن ماذا يعني كل ذلك في العمق: الاستمرار في تنفيذ خطة إرهاب الإعلام، وضرب الحريات، والمتجمع المدني، لإلغاء أي تنوع فكري أو إعلامي أو سياسي، خدمة للمشروع الاستبدادي (ألم يرهبوا الاعلام في بيروت أثناء غزوتهم المباركة!)، أي تعطيل آليات المجتمع المدني وأدواته كما هي الحال في الأنظمة الشمولية (النظام الإيراني بحرسه الثوري حتى في عهد الرئيس خاتمي، عطل أكثر من 250 صحيفة ومنشورة وطارد المثقفين وأنصار الإصلاح ونظم حملة إرهابية ضدهم واتهمهم بالعمالة وبالكفر وبالخيانة). وآخر إنجازات نظام الملالي طرد مندوب "العربية" من إيران! فلمَ الاستغراب عندما نجد "الأبناء" البررة في لبنان يمارسون أبشع أنواع الارهاب على الحرية والكلمة والتعبير ومقاومة البنى الشمولية المغلقة والأحادية. تماماً كما كانت الحال أيام الميليشيات، وفي عهود الدكتاتوريات الايديولوجية من أيام ستالين وهتلر وموسوليني وصولاً الى جمهوريات الموز. إذاً عون وحلفاؤه يريدون أن تستمر هذه المناحي القمعية الترويعية للصحافة وللآخر، إخلاصاً لروادهم الأبرار في هذا المجال وآخرهم لا أخيرهم الظواهر الفاشية المتفشية في بلاد إيران والبلاد الأخرى. وما مسألة "لوريان لوجور" إلاّ حلقة سبقتها وستسبقها حلقات أخرى من الترهيب، باعتبار أن هذا الترهيب هو الوجه الإعلامي للترهيب السياسي والعسكري والأمني والانقلابي الذي تنفذه جماعة 8 آذار وفي مقدمها حزب الله، وفي مؤخرة صداها وترجيعها جنرال الأورانج والمانغا والجزر!
لكن هؤلاء الذين جاؤوا في "آخر الزمان" نسوا ان كل الدكتاتوريات التي انتهكت لبنان وبيروت، ومارست طغيانها على الصحافة والإعلام هنا، فشلت في إسقاط هذا الصوت الذي يعبر عن "نجاة" المجتمع المدني من وحشية تلك الأنظمة. كلهم "رحلوا" وبقي الاعلام (على كل علات بعضه لا سيما من يتواطأ ضد نفسه بالسكوت عن ضرب حرية التعبير). كلهم افرنقعوا عن لبنان وبقي الهامش الحي الذي لم نعد نجده في أي مكان آخر من الجوار الأقرب والأبعد!
ونظن أن هذا المنحى الاستبدادي والقمعي في محاولة تعطيل الصحافة، (وهو جزء من تعطيل الدولة، والجيش والمؤسسات، كحماة لهذه الصحافة، ولحرية التعبير) سيستمر وسيتصاعد كلما شعر بتوع 8 آذار وعلى رأسهم حزب الله وفي مؤخرتهم المرنانة ميشال هللويا، بالعزلة الشعبية، وبالرضوخ لإرادة الخارج، والحاجة الى إسكات كل ما من شأنه أن يفضح مخططاتهم الانقلابية، وممارساتهم الفاشية الغستابوية على أكثرية الشعب اللبناني: فالأقلية التي تريد اغتصاب السلطة وتدمير الدولة، والكيان، هل توفر الصحافة أو أي صحافي (تهدده) أو الاعلام أو الأحزاب؟
إن هؤلاء "صُنعوا" وفُبْركوا في أقبية المخابرات لمثل هذه الأدوار، فهل من استغراب أو من اندهاش!
وفي النهاية، نوجه تحية الى "لوريان لوجور" العريقة، التي كان لها دور كبير في صناعة المجتمع، وفي حماية الحرية في أقصى الظروف، لها منّا التحية، والتضامن، ولهؤلاء، منّا، الإدانة، والاستنكار الى أبعد من الإدانة والاستنكار.
فالفاشية عبرت… وسيعبر أبناؤها وورثتها البررة عندنا!