الأسد يسعى إلى كسب الدور الإقليمي بالمفاوضات مع اسرائيل والرهان على مصالح الدول
توقعات بانفتاح أكبر على سوريا قبل وصول إدارة أميركية جديدة
باستثناء الموقف الذي اعلنه الرئيس السوري بشار الاسد عام 2000 بعيد تسلمه السلطة في بلاده وكان بمثابة برنامج حكم او سياسة جديدة يعتمدها كخلف لوالده، كانت كل مواقف الأسد حيال لبنان استفزازية ومثيرة للعدائية حتى قبل خروج القوات العسكرية من لبنان في نيسان 2006. فبرنامج الحكم الذي اعلنه الاسد يومئذ تحدث بموضوعية وانفتاح ونية لتعديل التعاطي ولبنان الى درجة علق كثيرون من اللبنانيين آمالهم يومذاك على تغيير جذري وحضاري في السياسة السورية ولكن سرعان ما تبددت هذه الآمال بالممارسات السورية لاحقاً كما في المواقف. وذهب ربيع لبنان بجريرة ربيع دمشق آنذاك.
لكن متابعين ديبلوماسيين وسياسيين يعتبرون ان المواقف السورية التي تثير حساسيات وانتقادات تتخطى لبنان، اذ ان مواقف متعددة ولا تحصى للأسد في مسائل اقليمية ودولية اثارت حساسيات كثيرة ولا تزال وكان آخرها الموقف المرحب باجتياح روسيا لجورجيا مثلاً، مما اضطر الرئيس السوري الى تبريره بأنه موقف أسيء فهمه وامتنع عن تكراره مجدداً. لكن حساسيته الخاصة في التعاطي وموضوع لبنان لا تغيب عن الدول الغربية المهتمة بمتابعة الوضع اللبناني، ولا تنفي هذه الدول المأزق الذي يواجهه لبنان في ظل عدم خروجه من العقدة السورية واعتقاده الدول المشار اليها ان ذلك لن يكون في المدى القريب في انتظار نهائية المفاوضات السورية – الاسرائيلية وتحصيل سوريا ثمناً في مقابل وقف تدخلها في شؤون لبنان يعتقد انه باعادة لبنان الى حظيرة المراقبة السورية على نحو غير مباشر وان من دون عودة مباشرة للقوات العسكرية السورية الى لبنان، وخصوصاً ان هذه العودة لن تحصل على تغطية في اي حال حتى في ظل انقسامات مماثلة لتلك التي حصلت اخيراً في مجلس الامن الدولي على خلفية قضية اجتياح روسيا لجورجيا.
والاقرار بادراك طبيعة التعامل السوري مع لبنان وعدم تبدله في المدى المنظور الا بخطوات صغيرة جداً ووفق التوقيت السوري الذي لا يملك المجتمع الدولي الكثير من اجل التعجيل فيه، لا ينفي في المقابل الاقرار بأن بدء سوريا مفاوضات بينها وبين اسرائيل فتح صفحة جديدة لها من العلاقات مع الدول الغربية ولاحقاً مع الولايات المتحدة الاميركية، كما فتح امامها ابواب فك العزلة الدولية التي فرضت عليها بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. لذلك كانت القمة التي انعقدت في دمشق وجمعت، الى الرئيس السوري وزائره الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني ورئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان. وهي قمة الدولة الباحثة عن ادوار لها في عملية السلام في المنطقة على رغم اضطرار الجميع الى انتظار الولايات المتحدة حكما، علماً ان سوريا حاولت من خلال هذه القمة، على ما تقول مصادر ديبلوماسية معنية، الايحاء ان لديها استراتيجية بعيدة المدى. وهذا امر يمكن ان يترك انعكاسات ايجابية عليها في المدى القريب لرغبة دول اخرى في اعادة النظر في السياسية السابقة التي اتبعت ازاء دمشق واعتبار ان الانفتاح على العاصمة السورية قد يكون مفيداً او مثمراً أكثر من عزلها، ان كان ثمن هذه الافادة قليلاً أو ضئيلاً جداً ولا يلبي طموحات هذه الدول إن في شأن العراق او في شأن لبنان الا انه يظل افضل من الاستمرار في سياسة العزلة وخصوصاً ان الادارات والانظمة في الخارج تتبدل وترى مصالح دولها من منظار غير ذلك الذي ساد قبل اعوام، فيما سوريا لا تتبدل فعلاً. وهذا أحد ابرز ما رمي اليه كلام الرئيس السوري الذي فهمت المصادر انه يندرج في اطار توجيه رسالة الى خصومه الاقليميين من الدول العربية والى من يعتبرهم خصومه في لبنان وفحواها ان مصالح الدول تطغى على كل المبادئ والشعارات، وان في امكان بلاده التطلع الى الاضطلاع بدور اقليمي اساسي بناء على ذلك من خلال وساطة يمكن ان تقوم بها مع ايران في موازاة المفاوضات غير المباشرة التي تقيمها مع اسرائيل والتي ستتحول قريباً مفاوضات مباشرة ومن خلال رفض الاسد الاصولية والتطرف اللذين حدد موقعهما في شمال لبنان واتهم به على نحو مضمر دولاً عربية ايضاً. علماً أن هذا الموضوع الأخير هو استعادة لجوهر التعاون القائم بينه وبين الغرب منذ أعوام طويلة حيث طرحت سوريا نفسها دوماً على انها تواجه الاصوليات وما يتصل بها مما يعتبر ارهاباً ويمكن تسويقه على هذا الاساس.
هذه المعطيات قد تفيد منها سوريا على ما تقول المصادر في المدة الفاصلة عن وصول ادارة اميركية جديدة الى البيت الابيض، فتكون كل التطورات المماثلة اي القمة الأخيرة والمزيد من المفاوضات الاسرائيلية ممهدة لاعادة الولايات المتحدة فتح باب الحوار مع سوريا. وقد تفيد منها في اعادة بعض الدول التي لا تزال تساهم في عزلة سوريا حتى الآن تمهيداً لاعادة العلاقات معها وان بخطوات جزئية وصغيرة في زيارة مسؤول او ديبلوماسي ما من هذه الدولة لسوريا او العكس، فلا تكون هذه الدول في آخر السلم بعد الولايات المتحدة في هذا الاطار، اذ لن تعود لخطوات فك العزلة التي تقوم بها هذه الدول أي معنى ما دام كل الطموح السوري ينصب على استعادة الحوار مع الولايات المتحدة، فضلاً عن ان هذه الدول لا تتحمل المسؤولية المباشرة في فك عزلة سوريا اذا ما ساءت الأمور بل ان فرنسا هي التي تتحمل هذه المسؤولية.