قراءة اخرى في كلام الاسد
قال الرئيس السوري في القمة الرباعية التي استضافتها بلاده (امس الاول) كل شيء ، ولم يقل شيئاً محدداً ونهائياً ! وترك كل الابواب مفتوحة لأنه يعرف ان ضيوفه الثلاثة " ناقلي رسائل " لا يقطعون خيطاً الا بإرادة واشنطن العاكفة راهناً على اعادة تقويم الاشارات السورية التي بدأت خلال زيارة الاسد الى موسكو ، وعرضه استضافة صواريخ روسية على ارض بلاده ، قبل ان ينفي بعد العودة الامر كله ! لأسباب تكتية واخرى استراتيجية ، اهمها دون شك ان روسيا غير قادرة على الذهاب في هذا الامر الى المنتهى ، وسوريا تعرف هذا التفصيل المهم وهي لهذا قدمت عرضها على امل ان تحصل على بديل مغرٍ من الولايات المتحدة يغنيها عن الذهاب بعيداً … في البحث عن " العصافير " على الاشجار العالية ، ويعيد الى يديها عصفوراً واحداً مهماً جداً ومصيري عندها : " القرار اللبناني " .
وقد كان لافتاً امس ان الاعلام الاسرائيلي قرأ ان الاسد طالب بالشيء ونقيضه ! وانه بدا راغباً في المحافظة على العلاقات مع طهران وحزب الله وحماس ! وفي نفس الوقت يريد السلام مع اسرائيل ؟ ! وينتظر انفتاحاً اميركياً على بلاده ! واذا قرأنا كلام الرئيس السوري دون خلفيات دقيقة ، فإن ما ورد في الاعلام الاسرائيلي صحيح ! بفارق ان المفاصلة السورية بين الخيارات تنتظر موافقة اميركية ولو ضمنية ، او ظروف اقليمية تتيح الاختيار دون معارضة من الولايات المتحدة المقبلة على تغيير في الادارة خلال الاشهر القليلة الاتية !
وكلام الرئيس السوري عن الجيش اللبناني وقدرته المحدودة (بحسب الاسد) كان مدروساً بعناية ، وفيه تحديداً تقدم دمشق عرضها الحقيقي : فمقابل ذهاب سوريا (وبعدها لبنان) الى محادثات مباشرة مع اسرائيل ، وقطع العلاقات مع ايران وافقادها آخر حليف قوي في المنطقة (بما يتيح للمجتمع الدولي التعامل مع ملفها النووي على الارض الايرانية سلماً او حرباً) مقابل هذين الامرين المهمين عربياً ودولياً هناك مطلب سوري واضح : العودة العسكرية والامنية الى لبنان واستئصال الارهاب في الشمال ! وضبط سلاح حزب الله ومقاوميه على النحو الذي كان سائداً منذ بداية التسعينات وحتى الخروج السوري المذل في آواخر نيسان من العام 2005 .
وهذا العرض السوري لا يناسب الولايات المتحدة ولا يخدم استراتيجيتها ، ولهذا تراهن دمشق على تطورات تعمل عليها مع اجهزة حزب الله والحلفاء بما يدفع الاوضاع في لبنان الى ذروة التوتر والفوضى حتى يسلم العالم بالمطلب السوري الوجودي ! او يغض النظر عن تنفيذه وسط ضوء " برتقالي " لا هو نعم ولا يقول لا ! تماماً كما حدث في الدخول الاول آواخر العام 1976 !
ومن هذه النقطة بالذات يصير مفهوماً حادث المروحية ! ويصير مفهوماً اكثر كلام الاسد عن حديثه مع الرئيس سليمان ! وتلميحه الى عدم قدرة الجيش اللبناني على تنفيذ المطلوب منه في مواجهة السلاح والارهاب ! وهما " بضاعة سورية " يتوسع انتشارهما تحت يافطة المساهمة في تحقيق اهداف النظام السوري واحلامه في العودة الى لبنان الشقيق !
ويبقى ان ما نقل عن استياء فرنسي – قطري من الكلام السوري ، سيعقبه ترحيب اسرائيلي به !! لأن هناك تلاقياً بين الدولة اليهودية وسوريا على الاهداف البنانية ! وهذا التلاقي (الذي يعود الى آواخر السبعينات ) هو ما يفسر كلام الاسد من جهة ، وتكبير اسرائيل لمخاطر سلاح حزب الله من جهة ثانية ! والامران يستهدفان لبنان الوطن العالق بين جارين لا يريدان له ان يستمر وطناً سيداً حراً ، وان يقدم نموذجاً في الديمقراطية والتعددية يخالف ما هو قائم عند الجارين ! وهنا لب المشكلة اللبنانية … واساس استمرارها .