#dfp #adsense

طرابلس تصنع حدوداً شمالية للبنان

حجم الخط

ثلاثة نماذج للمصالحة بعد 7 أيّار وخطاب القسم سندها الدستوريّ
طرابلس تصنع حدوداً شمالية للبنان

يشدّد رئيس الجمهورية في الآونة الأخيرة على المضمون العملي لكلمة "مصالحة" التي تضمّنها خطاب قسمه. العماد ميشال سليمان تبنّى "المصالحة" هدفاً فور انتخابه، ومباشرة بعد حديثه عن وجوب "استثمار دعم الأشقاء والأصدقاء لنجتاز الصعاب"، ومتوجّهاً إلى الجميع بالدعوة لأن "نتحد ونتضامن ونسير معاً نحو مصالحة راسخة لزرع الأمل لدى أبنائنا"، ناصحاً بإطلاق ما سماه "مبادرات رائدة، إبداعية، شجاعة، لتحقيق ذلك".

بعد أشهر على وصوله إلى سدّة الرئاسة، طوّر سليمان فكرته عن المصالحة. وأمام عدم اتضاح الكيفية التي ستنعقد طاولة الحوار الوطنيّ على أساسها، ساق "المصالحة" مدخلاً للحوار وأفقاً لازماً لإنضاجه وتتميمه. وهو لم يحشر فكرة "المصالحة" في آلية بعينها، بل منحها مرونة كافية، إذ أوضح اخيراً أمام وفد نقابة الصحافة أنها يمكن أن تسبق أو أن تتزامن أو أن تلي طاولة الحوار.

بيد أنّ البلاد كانت بحاجة إلى إبراز الدلالات السياسية للتمييز بين مقام "المصالحة" ومقام "الحوار"، وهو ما تكفّلت به إلى حد كبير جهود المصالحة الحامية لمدينة طرابلس، والكفيلة بتحويل "شارع سوريا" الفاصل بين جبل محسن وباب التبانة إلى "شارع لبنان" الواصل بينهما. فاليوم تثبت طرابلس أن ما من تعارض فيها بين أن يكون اللون السنّي غالباً عليها وصانعاً لزخمها المدينيّ المستند إلى إرث مملوكي ـ عثماني عريق والمؤمّن لتواصلها مع باقي المدن الساحلية، وأن تكون طرابلس عاصمة ثانية للبنان حاضنة راعية لحصّتها من تنويعات الملل والنحل، وعلى قاعدة المساواة في المواطنية، بما يتيح حثّ الواحد للآخر على الانخراط في مشروع الدولة دون التباس أو تردّد.

وجهود المصالحة في طرابلس، طالما استطاعت أن تتكلّل بالنجاح وتحقق مناعتها شيئاً بعد شيء، فإنها تجلب فائدة جمّة للخط السيادي. ذلك أن المصالحة تعني أنّ حسابات الأكثرية والأقلية المذهبية لم تعد تحول بحدّ ذاتها دون انتصار أبناء الفئتين للبنانيتهم، وأن جراحات فترة الوصاية وما تمخّض عنها يمكن تجاوزه. وعليه فإن المصالحة الطرابلسية ترسّم "حدوداً شمالية" فعلية للبنان.

وما يجري على هذا الصعيد في طرابلس لا يمكن الوقوف على أبعاده إلا بالمقابلة بين صيغتين مختلفتين للوصل بين جماعات أهلية لبنانية مختلفة. الصيغة الأولى هي "التفاهمات الثنائية" ونموذجها هو التفاهم الذي عقد في شباط 2006 بين "حزب الله" وتيّار العماد ميشال عون، وقد استفاد من لحظة البلبلة التي أعقبت أحداث الشغب في الأشرفية. مثل هذا التفاهم أدّى عملياً وتحت لافتة "الوحدة الوطنية" إلى مزيد من الانقسام المذهبي بين السنّة والشيعة في لبنان، وإلى مزيد من الانقسام السياسي بين مسيحيي عون ومسيحيي 14 آذار. صحيح أن "التفاهم" طرح نفسه كنموذج قابل للتعميم لاحقاً، إلا أن الحصيلة جاءت جدّ متواضعة وانحصرت في استيحاء التيار العوني شيئاً من هذا الأسلوب لتوقيع "وثيقة تفاهم" مع الحزب الشيوعي، وفي الخطوة المجمّدة المتمثّلة بـ"وثيقة التفاهم" الموقّعة بين "حزب الله" وجمعية "وقف التراث" السلفية.

بخلاف "التفاهمات" ووثائقها، تشغل الجهود المتطلّعة لقيام "مصالحات" حيزاً آخر تماماً. إلى الحين، ثمّة نموذجان للمصالحات بعد 7 أيار. النموذج الأوّل طوّره دروز الجبل منذ فرضت الإقامة الجبرية على النائب وليد جنبلاط في كليمنصو غداة اقتحام بيروت، وإلى أن تعرّض الجبل نفسه للاقتحام العسكري، وتمكّنت هذه المصالحة الدرزية ـ الدرزية من أن تستثمر لما فيه خير أبناء الجبل عملية إطلاق سراح عميد الأسرى سمير القنطار، وربّما كان هجوم الظواهر المتسورنة الصافية على الوزير طلال أرسلان شاهداً إضافياً على الخط البياني لهذه المصالحة.

النموذج الثاني للمصالحة والأكثر مركزية بالنسبة إلى مصير الاستقلال الثاني هو ذاك الآيل للتحقق في طرابلس، أي في المدينة التي تعرّضت أكثر من سواها لتداعيات 7 أيار، من خلال جولات قتالية متعدّدة، ترافقت مع حركة نزوح داخلية غير مسبوقة منذ أيام الحرب الأهلية. هذا النموذج التصالحي يعني بوضوح أنّ الحراك السيادي الانفتاحي بمقدوره محاصرة النتائج الانتخابية للضغط الأمني، وبالتالي قادر على الاحتفاظ بالأكثرية البرلمانية في حال لم يندفع منسوب الضغط الأمني الحالي لـ"حزب الله" وحلفائه على الصعيد الوطني العام إلى ما من شأنه تكرار عملية 7 أيار مرة أخرى.

طبعاً يضاف إلى هذين النموذجين المختلفين للمصالحات، نموذج ثالث أكثر تعقيداً، قد لا يصح إزاءه استخدام نعت "المصالحة" لكنه يعادلها من حيث المفعول. إنه نموذج "الخطوط المفتوحة" مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي، وإلى حد ما مع حركة "أمل".

هذه النماذج الثلاثة تجد مسوّغها الشرعي في خطاب القسم الذي ربط المصالحة الوطنية بـ"مبادرات رائدة، إبداعية، شجاعة". أما إن شئنا العودة سنوات إلى الوراء، فعندها يكون مناسباً استذكار أن مطلب "المصالحة" طرحته الحركة الاستقلالية المبكرة أيام "لقاء قرنة شهوان" جنباً إلى جنب مع "الحرية والسيادة والاستقلال"، وأن ما حدث يوم 7 آب 2001 كان قطعاً للطريق أمام حلم السيادة من خلال الاستهداف الأمني للمصالحة التي كان باركها بطريرك الموارنة في الجبل، وهي مصالحة كانت تقيم شبكة حلقات متصلة ببعضها البعض تبدأ بالقوات اللبنانية والتيار العوني وقرنة شهوان وتتصل بالزعامة الجنبلاطية المتصلة بدورها بالرئيس رفيق الحريري المتصل بدوره يومها برئيس مجلس النواب نبيه برّي. ما قام به انقلاب 7 آب هو توجيه ضربة أمنية للحلقة الأضعف من هذه الحلقات المتصلة ببعضها البعض عبر حلقات وسيطة والتي لم يكن بمقدورها يومها صوغ برنامج استقلالي علني موحّد.
أما ما يحدث اليوم وبعد خمسة أشهر على انقلاب 7 أيار 2008 فيتخذ مساراً آخر. ففي 7 أيار جرى التعرّض لرأس الحراك الاستقلالي، بيروت، وبعدها جرت النوبات على بقية المناطق بأساليب ومواقيت مختلفة وبما يهدّد الوحدة الكيانية للبلاد. نهج "المصالحات" بعد 7 أيّار يفرز مضادات حيوية لعملية التفتيت الذي يتعرّض له الكيان اللبناني. و"المصالحات" هدفها ألا تكون انتخابات 2009 قد أنجزت وحسمت في يوم واحد ليلة 7 أيّار، وأن يوضع حدّ لمستوى الكسب السياسي من الغلبة الأمنية في 7 أيّار، وألا يعود 7 أيار نفسه قابلاً للتكرار في أيّ وقت وأيّ ظرف وأيّ منطقة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل