#dfp #adsense

مياه جديدة في البحر السوري .. والإقليمي

حجم الخط

بين قمّة دمشق العربية .. وقمّة دمشق الرباعية
مياه جديدة في البحر السوري .. والإقليمي !

بين القمة العربية في دمشق (آذار العام 2007) والقمة الرباعية فيها (أيلول العام 2008) يبدو أن مياها كثيرة، ومختلطة، وملونة، جرت في بحار وأنهار المنطقة التي يطلق عليها اسم "الشرق الأوسط"، وأنتجت، في ما أنتجت، ما تشهده المنطقة الآن من "أبواب مفتوحة" على مصاريعها باتجاه اسرائيل، وربيبتها الولايات المتحدة الأميركية، وأخرى "مقفلة" بشكل كامل بين دول عربية بعينها، وثالثة "مواربة" فلا هي مفتوحة الى حد الانخلاع كالأولى ولا هي مسدودة بحيث لا ينفذ منها هواء كالثانية.

في أعقاب القمة العربية، وما اكتنفها لجهة الحضور أو المقاطعة، لم يترك النظام السوري ولا حلفاؤه في لبنان تحليلا، أو تعليقا، أو وصفا، الا استخدموه لتصوير القمة بأنها كانت "ناجحة" (بل وبالغة النجاح) في محاولة منها للرد على العزلة الدولية، وحتى العربية، التي فرضت على النظام المضيف منذ أواخر العام 2004. يومها لم تكن ثمة أبواب سورية مفتوحة، علنا على الأقل، لمفاوضات من أي نوع مع اسرائيل، بل كان الجو مليئا بلافتات عن "الممانعة" و"المقاومة" و"اسقاط المشروع الأميركي"، تضاف اليه أخرى عن "أنصاف الرجال" و"الخيانة" و"العمالة" كانت ترفع سريعا في وجه كل من يطرح علامة استفهام أو حتى ينبس بكلمة.

وبعد القمة الرباعية، لم يختلف الأمر كثيرا لجهة الحديث عن تحطيم جدار العزلة، وتاليا عودة النظام السوري الى لعب دوره القديم ـ المتجدد على مساحة المنطقة وفي العالم، لكن غابت نهائيا (هل هو غياب مؤقت ؟) لافتة "الممانعة" بينما بقيت زميلتها "المقاومة" وان بمفهوم مختلف وتحت عنوان آخر … "لا مصلحة لنا بالتخلي عن المقاومة"، قال الرئيس السوري بشار الأسد في مقابلة مع محطة تلفزيون "المنار". وعمليا، فبين السطور يمكن لمن يريد قراءة كلمة "الآن" أو "الى حين" لدى حديث الأسد عن "الهدايا" التي لا تقدم مجانا: "نحن لسنا دولة تقدم هدايا .. نحن دولة تتحدث عن مصالح". والهدية، في اللغة، هي كل ما يقدم من دون مقابل، وتفقد صفتها هذه عندما لا تكون كذلك.

فأية مياه، جرت في بحار المنطقة بين الموعدين ؟!.
من نافل القول ان الحدثين الأهم والأكثر دلالة بهذا المعنى انما حدثا في فلسطين ولبنان، حيث لـ"الممانعة" و "المقاومة" تأثيراتهما الاقليمية والدولية المباشرة، لجهة قضية كانت ولم تزل لأكثر من نصف قرن قضية المنطقة الأولى (الصراع العربي ـ الاسرائيلي)، وأخرى تتعلق بمصير بلد ودولة تتلاعب بهما المصالح والأهواء الاقليمية باعتبارهما مجرد "ساحة" لتصفية حساباتها وتحقيق الطموحات (لبنان). والحدثان، بغض النظر عما يقال غير ذلك، هما الفشل المدوي سياسيا واقتصاديا وحتى عسكريا للانقلاب المسلح الذي قامت به حركة "حماس" في قطاع غزة وانعكاساته على القضية الفلسطينية أولا وعلى مقولة "الممانعة" ثانيا (توجد هدنة حاليا بين "حماس" واسرائيل)، والفشل المدوي بدوره سياسيا وعسكريا كذلك لما وصف بـ"الامارة الاسلامية" التي كانت ستقام في شمال لبنان، كمرحلة أولى تتمدد لاحقا لتشمل لبنان كله، على يد منظمة أطلق عليها اسم "فتح الاسلام"، نبتت هكذا فجأة ومن دون سابق انذار، في مخيم نهر البارد.

في الوقت نفسه، كانت تتقدم ـ كما بات جليا الآن ـ اتصالات بعضها سري وبعضها علني بين "شخصيات" سورية واسرائيلية (بدأت في أثناء العدوان الاسرائيلي على لبنان العام 2006) كما كانت تشتد شبكة العزلة الدولية، فضلا عن الاتهامات العلنية، حول سوريا وايران والدور الذي تقومان به على مساحة المنطقة من لبنان الى العراق الى فلسطين وصولا الى بعض دول الخليج.

على خط آخر، ولكن مواز، كانت هزيمة كاملة وشبه نهائية تلحق بحرب أقسى وأكثر طموحا شنتها الدولتان الحليفتان، سوريا وايران، في داخل العراق وعلى حدوده (انسحبت منها دمشق قبل ذلك بعد أن اكتشفت أنها لن تستطيع مواصلتها)، وكانت "الساحتان" الأخريان في لبنان وفلسطين تزدادان ضمورا بعد أن وصلتا الى حافة الانهيار النهائي: لا غذاء ولا ماء، حتى ولا "مقاومة"، في غزة … ولا دولة، ولا حتى "مقاومة" خاصة بعد القرار الرقم 1701، كما بات الوضع منذ العام 2007، في لبنان.

لعل اغتيال القائد العسكري لـ"حزب الله" الشهيد عماد مغنية، في شهر شباط الماضي، وفي ضاحية دمشق، كفرسوسة، المحمية جيدا، وما تلاه من اغتيال العميد محمد سليمان ذي المهام الحساسة في القيادة السورية، كانا المؤشر الأكثر دلالة على أن مياها جديدة ومختلفة بدأت تجري في الجدول السوري، وأنها سائرة لتصب، ان لم يكن الآن ففي مرحلة لاحقة، في بحر علاقاتها مع المنطقة ومع العالم.

ولعل العلاقة الحميمة الى حد كبير، والمفاجئة الى حد كبير أيضا بسبب التاريخ والجغرافيا، بين سوريا وتركيا من ناحية، ودور الأخيرة الناشط في المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية من ناحية ثانية، يكفيان لاعطاء مؤشر آخر على غزارة هذه المياه وعمقها ونوعيتها. بين دلائل ذلك، أن رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان تعمد طمأنة الرئيس الأسد في القمة الرباعية الى أنه أيا كان خليفة رئيس حكومة اسرائيل الحالي ايهود أولمرت فسيكون ملتزما بمواصلة المفاوضات مع سوريا … ومن النقطة التي وصلت اليها.

ولعل البيانات السورية المتكررة عن أنها تسعى في نهاية المطاف الى رعاية أميركية مباشرة للمفاوضات بين سوريا واسرائيل، وعن أن هذه الرعاية تنتظر قيام ادارة أميركية جديدة بعد الانتخابات الرئاسية المقبلة، تكفي بدورها للقول ان النقاط الست التي وضعتها سوريا في عهدة "الراعي" التركي ليست سوى نقاط اتفاق … وان تكن تحمل صفة "وديعة". يؤكد ذلك، وفق صحيفة "هآرتس" الاسرائيلية، أن موفدا أميركيا هو مساعد نائب وزيرة الخارجية ديفيد ولش كان سيشارك في الجولة الخامسة للمفاوضات لولا أنها لم تؤجل الى وقت آخر. والوقت الآخر، بحسب أردوغان مجددا، هو الثامن عشر من أيلول الجاري.

الى أين من هنا ؟!.

في قمة دمشق العربية، جرى الحديث في المداولات (بمبادرة سورية) وفي البيان الختامي عن احتمال اعادة النظر في المبادرة العربية للتسوية في ما لو استمر الجمود في المنطقة. الا أنه، كما اتضح فيما بعد، كانت المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية قد بدأت فعلا وان لم تكن قد حققت نتائج محددة.

ولأن المبادرة العربية تتحدث عن تسوية شاملة وكاملة وعادلة (الايقونة العربية التاريخية) على المسارات كلها، بما فيها أساسا المسار الفلسطيني، وقد اتخذت باجماع القادة العرب في قمة بيروت العام 2002 أولا ثم في قمة الرياض العام 2006.

ولأن سوريا قالت دائما انها ضد التسوية المنفردة، من كامب ديفيد الى اتفاق أوسلو الى اتفاق وادي عربة، فهل يكون "اتفاق اسطنبول" مثلا (أو هو اتفاق واشنطن لاحقا ؟!) تسوية شاملة … لمجرد دعوة الرئيسين اللبناني والفلسطيني، كما قال الرئيس الأسد في ختام القمة الرباعية، للانضمام الى المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية عندما تصبح مباشرة ؟!.

وأين سيكون موقع "الممانعة" و"المقاومة" و"اسقاط المشروع الأميركي" في محصلة سياق من هذا النوع ؟!.
أسئلة لبنانية قبل كل شيء، على خلفية الثمن الفادح الذي دفعه اللبنانيون على مذبحها، الا أن الاجابة عنها ستنتظر قمة ثنائية بين الأسد وتسيفي ليفني (أو بنيامين نتنياهو)، أو قمة ثلاثية بينهما وبين أردوغان، أو في وقت لاحق بينهما وبين باراك أوباما أو جون ماكين.

وحتى ذلك اليوم .. يبقى السؤال: هل يحفظ اللبنانيون رؤوسهم عند تغير الدول، أو المياه في مجاريها ؟!.
أم أن هناك (في لبنان خاصة) من لا يزال يراهن على فشل ذلك، لنعود مجددا الى مقولات "الممانعة" و "المقاومة" وما اليها.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل