#dfp #adsense

كلّ يريد الدولة على صورته ومثاله

حجم الخط

كلّ يريد الدولة على صورته ومثاله

لا اعلم اذا كانت العائلات اللبنانية، لا تزال كما كانت سابقاً، تعتبر ان وجود شخص مسّن في ‏البيت، حتى ولو لم يعد قادراً على الانتاج والعطاء، يشكّل نوعاً من «البركة» التي تحتاجها كل ‏عائلة، وكأنها الخميرة الطيّبة التي تصنع الخير والتقدم والسلام الداخلي والعائلي، ام ان ‏مآوي العجزة، وبيوت الراحة، اصبحت هي صاحبة الحق الحصري بهذه البركات التي يحملها معهم ‏العجائز والمسنّون الى حين دخولهم في عالم آخر، لا صلة رحم بينه وبين عالمنا هذا.

‏ الدولة في لبنان اليوم، هي توأم هذا المسّن العجوز، الذي اعطى ابناءه الكثير الكثير، ولما ‏جفّت عروقه، ونضب مخزونه، واقعده المرض والتعب والالم، بعدما اوصل ابناءه الى محطة ‏الرجولة، تخلّوا عنه، واسكنوه المأوى، حتى ان بعضهم يشعر بخجل وقح من هذا الوالد، الذي ‏فقد كل شيء، الا استمرار محبته لابنائه، حتى العاقّ منهم.

‏ الدولة، في اي مكان، هي البركة، وهي المعجن، وهي الخميرة، وهي المرجع، ومثلما يكتشف ‏الانسان في اوقات شدّته وجود الله، ويفزع اليه ملتمساً شفاء، او طالباً فرجاً، كذلك يفعل ‏المواطنون الذين نسوا الدولة، ولا يعرفون قيمتها وفضلها الا في اوقات الشدائد والمحن، ‏فيهرعون اليها، يستظلّون حمايتها ومساعدتها، كما يفعل في هذه الايام ابناء طرابلس، وكما ‏فعل سابقاً ابناء بيروت والجبل والبقاع.

‏ من حسن الحظ، ان كل الافرقاء السياسيين المتنازعين، يطالبون بقيام الدولة، ولكن من سوء ‏الحظ، ان كل فريق يريدها على صورته ومثاله، ويضعها في القالب الذي يرتاح اليه، ويؤمّن ‏سعيه بأن يكون رأس هذه الدولة، ولذلك فان قوى14 آذار مصرّة على ان يضع جميع اللبنانيين ‏بيضهم في سلّة واحدة هي سلّة الدولة، لا شريك لها، ولا مثيل ولا منافس ولا غاصب.

في حين ان ‏قوى 8 آذار، وفي طليعتها حزب الله، تؤكد ان من يريد الدولة القوية المنيعة العادلة، ‏فعليه المرور في الخيارات والاهداف التي وضعتها المقاومة الاسلامية، وهذا يعني ان «كلّ يبتغي ‏وصلاً بليلى» ولكن طريق الوصول الى هذه الليلى مختلفة ومتضاربة، ولذلك لا مفرّ من وضع ‏الدولة في الملجأ، على الرف، في غرفة العناية الفائقة، في محطة الانتظار لمعرفة من هو ‏المنتصر في النهاية الذي من المرجّح والمنتظر ان يبني دولته على صورته ومثاله، وربما يكون ‏هذا الموعد الفاصل في الانتخابات النيابية المقبلة، وحتى ذلك الحين ستبقى الدولة تتسوّل ‏وجودها وحقيقتها على قاعدة «يوم شبعة ويوم جوعة» بالقدر الذي يسمح به، من اعطى الحق ‏لذاته بان يتحكّم بمصير الشعب اللبناني وبحياته ومستقبله.

‏ ‏***‏
المؤلم في موضوع الدولة، هو ان رؤوس هذه الدولة الذين يفترض بهم ان يحموها من الانهيار ‏والتفكك، يساعدون بمعرفة منهم، او من دون معرفة، اولئك الذين لا يريدون خيراً لهم بقيام ‏مطلق دولة، لان مجرّد وجودها سيكون عائقاً امام اهدافهم وطموحاتهم، والا كيف نبرّر للناس ‏تعليق جلسات مجلس النواب حتى الخامس والعشرين من الشهر الجاري، بعدما سبق اقفال ابوابه ‏لمدة تتجاوز السنة ونصف السنة، وبعد فتح دورة استثنائية، للدرس والمناقشة والتشريع في ‏مجلس النواب متخم بمشاريع القوانين المتعلقة بمصالح الناس وحاجاتهم، والتي تساعد على ‏استعادة هيبة الدولة وسلطتها، وهل كان التأجيل نكاية بالنواب الذين رأوا ان يتم ‏التصويت على قانون الانتخاب المتفق عليه، دفعة واحدة وليس بالتقسيط.

‏ كذلك كيف يمكن ان نبرر للناس تأجيل جلسات مجلس الوزراء من اسبوع الى اسبوع، لانه لم يتم ‏التوافق على بعض البنود المطروحة، كالتعيينات وزيادة الرواتب، او لتعب هذا المسؤول ‏وسفر ذاك، مع ان الاحداث التي يمرّ بها البلد، امنياً واقتصادياً وسياسياً وادارياً، تتطلب ‏مضاعفة جلسات مجلس الوزراء، وجلسات مجلس النواب، وليس تأجيلها، او الابقاء عليها كما ‏هي، لان هذا التصرّف يساعد ايضاً في اهتراء الدولة، بدلاً من العمل الدؤوب على ضخّ الحياة في ‏عروقها اليابسة.

‏ الف باء قيام الدولة، هي العمل المتواصل حتى الارهاق، والبذل حتى التضحية، والشجاعة حتى ‏التهوّر احياناً، والاقدام حتى المواجهة.

بخلاف ذلك، لا امل يرتجى ببناء وطن وقيام دولة.

المصدر:
الديار

خبر عاجل