استعدادات في محلها لكنها في غير زمانها
اربعة اشهر كاملة انقضت على اعلان رئيس كتلة نواب المستقبل النائب سعد الحريري «طلب موعد» مع الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، موسطاً بذلك رئيس مجلس النواب نبيه بري لجمعهما، بلا طائل، لا سيما ان «معارك السابع من ايار بلغت ذروتها آنذاك بإجتياح بيروت»، في خطوة وصفت بأنها استباقية «لمنع تيار المستقبل من ان يجتاح معاقل حزب الله وحركة «امل» والحلفاء طبعاً»!
في الامثال الفرنسية «ان تأتي متأخراً افضل من ان لا تأتي». وهذا ينطبق على الامين العام لحزب الله الذي اطلق في افطار غروب اول امس الاحد «استعداداً للإجتماع برئىس كتلة المستقبل»، وكأنه بذلك يعترف بأن القضايا الكبرى لا تحل بالواسطة او من خلال ابداء الاستعدادات»، حتى وان كان السيد حسن انتقد عرضاً «طريقة البعض في معالجة مشكلة طرابلس»، وهو لا شك قد قصد الحريري او من هو في صف الاخير، من غير ان يشير الى صفوف اخرى متسببة او ضالعة في المؤامرة على عاصمة الشمال؟!
المهم ان لا يبقى الاستعداد الذي ابداه نصر الله شكلياً، «لأن الامور السياسية العالقة لم ينفع معها تشكيل حكومة وحدة وطنية، ولا نفست احتقاناتها هدية الثلث الوزاري المعطل، بدليل التوتير السياسي والامني الذي يلف البلد على مدار الساعة.
قد تكون قوى 14 آذار معنية بجانب من التصعيد الحاصل، غير ان ما يؤكد ان الموالاة لا تزال غير المعارضة والعكس صحيح، هو «ان التباين لا يقتصر على مظهر سياسي من هنا او موقف سياسي من هناك»، خصوصاً بالنسبة الى معادلة العلاقة مع سورية والمعادلة مع الولايات المتحدة الاميركية، حيث لا يعقل ان يبقى التصرف والفعل ورد الفعل على اساس موقف الاكثرية من سورية وعلى اساس موقف الاقلية من النظرة الاوروبية – الاميركية والعربية الى حزب الله والمقاومة!
وفيما يجمع المراقبون على استحالة تقريب وجهات النظر على قاعدة، بل نظرة مختلفة الى كل ما سبق، لا بد وان تبقى الامور الداخلية عالقة ومتوترة في آن، خصوصاً ان الاتهام الذي يوجه الى قوى 14 آذار بأنهم «جماعة اميركان» يقابل بإتهام قوى 8 آذار بأنهم «جماعة سوريين وايرانيين». وهذه الحتمية في اختلاف الاتهام يمكن ان تكون مقبولة في حال انتهت عند معادلة داخلية تأخذ في الاعتبار المصلحة العامة (…)
.. ولأن المعادلة الاخيرة ليست في وارد البعض، لا بد من اعادة نظر شاملة بطريقة المساكنة السياسية التي يمكن ان تحسم من خلال الانتخابات النيابية، وهذا مستبعد في الشكل والمضمون، طالما بقي لدى البعض ما يكفل له الاتكال على غير الاصول الدستورية والقانونية والديموقراطية. والمقصود هنا الاتكال على السلاح، قياساً على تجارب لم تعد بنتائجها خافية على أحد!
وفي حال استمر هذا المشهد، لا بد عندها من القول ان المصالحات لن تجدي نفعاً، ومثلها «الاستعداد للتفاهم»، لأن «من الصعب، بل المستحيل، ازالة الخوف والهواجس ممن اصابته الطعنة الديموقراطية في الصميم»!
كذلك، لا بد من التذكير بأن «التساهل الذي صدر عن القيادة السورية في مؤتمر الدوحة وبعده»، لم يقبض منه السوريون ما كانوا يتوقعون الحصول عليه، خصوصاً ان معظم حلفائهم في الداخل قد اكتفوا بما لحق بهم من مغانم، فيما لم يعرف هؤلاء ان الهدف السوري يتجاوز ذلك الى اعادة تصحيح التوجه اللبناني بالنسبة الى المحكمة الدولية التي يبقى سيفها مصلتاً في اكثر من اتجاه وفوق اكثر من رأس؟!
وحسناً فعل الامين العام لحزب الله في اشارته الى مثل هكذا تباين وتعقيد في مجال العلاقة اللبنانية – السورية، لكنه لم يصل الى تصور واضح يكفل وضع المحكمة بمنأى عن التجاذبات ذات الطابع السياسي. حيث لفت بعبارات مدروسة الى موضوع «من قد يكون على علاقة في الداخل والخارج مع جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وغيره»!
أما النظرة السنّية بالتحديد، الى التطورات السياسية والامنية، فأنها غير مرشحة لأن تبلغ حد تجاهل الدور السوري او النأي بتصرفات سورية المعروفة ضد قوى 14 آذار، ما يجعل كل الامور عالقة بين نظرتين متباعدتين وبين تصرفين يستحيل على اي منهما اقناع الآخر برأيه (…)
المهم، ان المصالحة في طرابلس ليست كثيرة على ناسها وسياسييها واوضاعها، لكنها تبقى غير المصالحة المرتبطة بجرح بيروت، لأن ما حصل في عاصمة الشمال كان ضمن تباينات سنية – سنية وتوجهات سنية – سنية، فيما يعرف الجميع ان ما عانت منه بيرورت قد لامس الفتنة المذهبية بأبشع اشكالها، الى الحد الذي يسمح بالقول «ان جرح الاجتياح لن يندمل بمعالجات سياسية تقليدية»، لا سيما ان «بعضهم لا يزال يتغنى بما فعله (…) وبما حصل عليه من مغانم جراء ذلك؟!