#dfp #adsense

“كنف الدولة” شمالا

حجم الخط

"كنف الدولة" شمالا

مرة أخرى النائب سعد الحريري على خطى والده الشهيد رفيق الحريري، ولكن هذه المرة على طريقة كاسحة الألغام التي تذهب الى طرابلس والشمال رافعة لواء الدولة ومبشرة بالمشروع الوحيد الذي يقوم عليه عمل تيار "المستقبل" اي مشروع الدولة اللبنانية التي اريد تغييبها وهدمها منذ ثلاثة عقود بهدف تغييب لبنان.

لم يكن مفاجئا ان يشد سعد الحريري رحاله وينتقل الى طرابلس لمدة ثلاثة ايام ستشكل تغييرا جوهريا في اتجاهات الرياح التي تعصف في المدينة والمنطقة من الخارج ولأهداف لم تعد خافية على احد، وهي جعل الجرح النازف في الفيحاء بوابة لتدخلات تشعل النار في جنبات الوطن وتعيده الى ما كان عليه في الماضي القريب.

❒❒❒

قبل ان تصبح طرابلس مصدر قلق خارجي عبّرت عنه زيارة السفير السعودي د. عبد العزيز خوجه الى المدينة بتكليف شخصي من الملك عبدالله وبهدف الحض على المصالحة والوئام والتفاهم بين ابناء البيت الواحد. وكذلك قبل ان يعبّر وزير خارجية مصر احمد ابو الغيط عن قلقه من اقتتال الاخوة في المدينة وضرورة ايجاد حل يعيد اللحمة والتفاهم… قبل ذلك بكثير كانت الجروح المفتعلة افتعالا في عاصمة الشمال قد صارت هما يوميا يأكل من صحن سعد الحريري كما يقال.

وهكذا دأب على الاهتمام يوميا بما يدور في المدينة، داعيا الى وقف الاشتباكات، ساعيا الى انهاء الخلافات واعادة الامور الى طبيعتها بين السنة والعلويين تحديدا. وفي الوقت عينه كان يضغط في اتجاه ان تقوم قوى الدولة الشرعية بوقف الاشتباكات وضبط الامن ومنع الظهور المسلح ووقف الاعتداءات.

كان واضحا للجميع ان هناك من يريد ان يجعل من طرابلس جرحا ملتهبا يبرر التدخلات الخارجية وينهك قوى الدولة اللبنانية التي لا يريد لها البعض ان تقوى وتقوم. ولقد وصل الامر في الفترة الاخيرة الى مرحلة اطلاق اتهامات وشعارات مشبوهة هدفها ايجاد مبررات لهذا التدخل، عبر القول ان المنطقة هي مثل قندهار، او تورا بورا وهو تحريض بغيض على طرابلس وامتداداتها الشمالية.

❒❒❒

لا يكشف المرء سرا اذا قال ان يوم طرابلس الطويل الذي شهدته السرايا لم يكن بعيدا من افكار النائب الحريري ولقي منه تشجيعاً كبيرا. ولكنه رأى على ما يبدو، انه لا يكفي ان تأتي طرابلس الى كنف الشرعية في السرايا وان يتم الاهتمام بها وبمطالبها ومشاكلها، بل من الضروري ان تذهب الشرعية اللبنانية الى الشمال وتكون سقفا وكنفا ومرجعا لكل ما سيقوم به في رحلته الشجاعة الى عاصمة الشمال، حيث اختير بعناية ان يكون عنوان الاتفاق الذي سينهي الصدامات والاشكالات "وثيقة المصالحة" التي تتم بحضور الدولة ممثلة برئيس الحكومة فؤاد السنيورة، وهو ما يلتقي عمليا مع الاصرار الدائم الذي يبديه الحريري على مشروع الدولة التي تشكل مطلب الجميع في لبنان.

❒❒❒

لم يذهب سعد الحريري الى طرابلس كفريق كما قد يحاول بعض الابواق ان يزعم بل ذهب كزعيم لتيار سياسي عريض ليهندس مصالحة تنهي مأساة تفاقمت وكادت ان تهدد الشمال ولبنان والمنطقة كلها.
لم يكن هدفه ان يبرهن انه يمثل الاكثرية السياسية في المدينة وتخومها الشمالية او الاكثرية الاسلامية السنية فهذا امر واضح. لكنه اراد من موقعه هذا ان يقيم جسور المصالحات والتفاهم. ثم ان يجعل "وثيقة المصالحة" ممهورة بحضور الدولة وفي ظلها وكنفها.
ومن خلال ثقافة التركيز على مشروع الدولة التي استشهد والده من اجلها جاء حديثه عن مصالحة سنية – علوية في اطار انتماء الطائفتين الكريمتين الى الوطن.

❒❒❒

من محطة الى محطة ومن لقاء الى لقاء بدا سعد الحريري الشاب وهو يسعى لترسيخ المصالحات، وتوسيع التفاهمات، كأنه "الشاطر حسن" الذي تعمد كلما وقف ليتحدث الا يكلّ من تكرار القول:
"ان مشروعنا هو مشروع بناء الدولة ونحن نقف صفا واحدا ونسعى الى خلق مؤسسات الدولة عسكرية كانت ام امنية (…) نحن ضد مشروع التسلح. ولن نبتعد عن مشروع رفيق الحريري فعندما اندلعت الحرب الاهلية كان الحريري يرسل شباب الوطن الى الخارج لتعليمهم".
في لقاء الحريري مع علي عيد في منزل المفتي مالك الشعار قال الاخير: "ان زعيم تيار "المستقبل" حضر الى طرابلس خصيصا لدعم جهود المصالحة وما يهمه هو انجازها وليست لديه مشكلة مع احد والدليل انه على تواصل مع جميع الاطراف". ثم خاطبه قائلا: "ان قدرك ان تكون مثل والدك الشهيد… مثل البحر".

❒❒❒

نجح سعد الحريري في تغيير اتجاهات "الريح الشمالية" واسقط استدراج عروض التدخل الخارجي تكرارا في لبنان من بوابة طرابلس. هذا صحيح. والصحيح ايضا ان هناك من يسعى لتخريب هذا الانجاز. لذلك لا يكفي ان تصفق الجمهورية لـ"الشاطر سعد" بل ان تسهر معه على ترسيخ المصالحة والوئام في طرابلس والشمال وكل لبنان.

المصدر:
النهار

خبر عاجل