الحريري أحبط المخطط السوري وحظي بدعم "الثنائي الشيعي"
مصالحة طرابلس أبعدت نظام دمشق عن ترسانة "حزب الله"
قدم رئيس كتلة "المستقبل" النائب سعد الحريري خدمة كبيرة للبنان عندما تحرك باتجاه طرابلس لإنجاز المصالحة بين أبنائها, ولنزع ذريعة الوضع الأمني المتوتر أحياناً والمتفجر أحياناً أخرى, من يد النظام السوري للتدخل عسكرياً وإقامة رأس جسر مجدداً في الشمال يعيده لاحقاً إلى كل لبنان, ولكن في الوقت نفسه قدم الحريري خدمة جانبية الى "حزب الله" من حيث لا يدري ربما, إذ وفر عليه وعلى داعمته الأساسية إيران, عبء معارضة أي تدخل عسكري سوري في الشمال لأسباب واعتبارات خاصة, لا علاقة لها طبعاً بالحرص على سيادة لبنان وحرمة أراضيه.
وكان مصدر مطلع في "حزب الله" قد عبر أمام زواره عن انزعاج الحزب (وخصوصاً الجناح الإيراني القوي داخله) من الكلام السوري عن العودة العسكرية إلى شمال لبنان, في توقيت مريب بالنسبة ل¯"حزب الله" وإيران, حيث يجري النظام السوري مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل, تأكد للحزب ولكل المراقبين أن لبنان ومصيره هو أحد بنود جدول أعمالها, وبطبيعة الحال فإن سلاح الحزب هو في مقدمة الأمور المطروحة على طاولة المفاوضات, وذلك بغياب تام لأي حضور لبناني عنها.
وعزز مخاوف "حزب الله" هذه كلام الرئيس بشار الأسد نفسه بعد القمة الرباعية مع فرنسا وقطر وتركيا, قبل أيام, عندما تناول بشكل فاضح الربط بين الوضع الأمني في الشمال, وبين انضمام لبنان إلى المفاوضات مع إسرائيل.
فهم "حزب الله" الرسالة, إذ أنه سبق للنظام السوري أن تدخل في لبنان عسكرياً, وكان تدخله ضد الجميع من دون استثناء, وكان في كل مرحلة من المراحل يوجه سلاحه ضد أحد الفرقاء اللبنانيين, حسب مقتضياته الخاصة في كل مرحلة. وهكذا يذكر الجميع, وفي مقدمهم "حزب الله", أن الجيش السوري بدأ قتاله في لبنان ضد الحركة الوطنية اللبنانية ومنظمة التحرير الفلسطينية, ثم انتقل لقتال خصومهما الجبهة اللبنانية و"القوات اللبنانية", ثم انتقل ليقاتل المخيمات الفلسطينية, ثم قاتل "حزب الله" إلى آخر السلسلة التي لم تنتهِ إلا بإخضاع الجميع.
إذاً الخطة السورية الحالية, والتي بدأ الحريري بإحباطها, تبدأ في الشمال ولا تنتهي إلا عندما يعود الجيش السوري إلى الإمساك بكل مفاصل البلد, ليكون مشرفاً ومسيطراً بصورة ما على ترسانة "حزب الله", فإذا احتاج لاستخدامها فعل, وإذا اقتضت متطلبات التسوية مع إسرائيل لجمها وخنقها, فعل أيضاً.
وقد سارع الأمين العام ل¯"حزب الله" السيد حسن نصر الله للترحيب بمصالحة طرابلس, وسبقه نائبه الشيخ نعيم قاسم, ولكن الاثنين رسما حدوداً للمصالحة هي حدود مدينة طرابلس, لأن بيروت بنظر "حزب الله" شيء آخر, وحساباتها مختلفة عن حسابات طرابلس, وإذا كانت عاصمة الشمال تصلح كمبرر للتدخل السوري, فإن عاصمة لبنان هي حكر ل¯"حزب الله" وحلفائه, و"تحت السيطرة".
المصدر المطلع في "حزب الله" عبر عن استياء سائد داخل الحزب مما أسماه التحرك السوري المنفرد إقليمياً, والذي ترجمته القمة الرباعية في دمشق, فقد التقى الأسد بأكثر الرؤساء الأوروبيين تشدداً تجاه إيران, وهو الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي, والذي لم يفوت الفرصة لتوجيه تهديد إلى طهران من قلب العاصمة الحليفة لها دمشق, كما التقى زعيمي دولتين تقيمان علاقات طيبة مع إسرائيل, لتبقى إيران خارج الصورة تماماً.
من هنا, فإن دعم الثنائي الشيعي حركة "أمل" و"حزب الله" لمصالحة طرابلس جدي وحقيقي, كل منهما لحساباته الخاصة, ولكنهما يلتقيان على إبعاد بيروت عن مناخ المصالحة هذا, وفي وقت كان بعض أوساط 14 آذار تتوقع دفع فاتورة القمة الرباعية في لبنان حرباً, قطع المتضررون من هذه القمة الطريق على النظام السوري في طرابلس.
إذاً, تقاطعت مصلحة "حزب الله" و"تيار المستقبل" في هذه النقطة: إبعاد شبح التدخل العسكري السوري, ولكن هل يهيئ ذلك لتفاهم ما, بدأ البعض يتحدث عنه تمهيداً للانتخابات النيابية المقبلة?
مراقبون حياديون استبعدوا ذلك, لأن السيد نصر الله أثار في خطابه الأخير عدداً من الإشكالات بدلاً من اقتراح المعالجات, فجاء الخطاب ليكبر الهوة بين الفريقين عوضاً عن تضييقها.