#dfp #adsense

سرّ أبيه

حجم الخط

سرّ أبيه

"أذهب الى الشرق المعقّد بأفكار بسيطة".
قالها الجنرال ديغول، بطل تحرير فرنسا من الاحتلال النازي. ولبنان جزء من هذا الشرق، وطرابلس جزء من لبنان، واليها ذهب النائب سعد الحريري بفكرة مبسطة تردّ على من يرى في لبنان جورجيا أطماعه، وفي عاصمة الشمال أوسيتيا أو أبخازيا التي يحاول بها تبرير العودة على أعقابه من 26 نيسان 2005.

الفكرة المبسطة هي أن من يريد وأد الفتنة لا يعدم وسيلة للعمل على عقد مصالحة أهلية بين الاطراف الذين يدفعون على المواجهة. فمن لا يريد الفتنة لا بد أن يكون مع هذه المصالحة. ومن لا يعمل لها لا بد أن يكون من اهل الفتنة.

ولأن "لا أحد أكبر من بلده" كما كان يقول الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وجد وارث مشروعه أن ما يجري يستحق تخطي الخلافات السياسية، الى حد قرع أبواب الخصوم، ومنهم من لاذ بالصمت حيال محاولات قطع طريقها اللبنانية، مكملا نهجا لم يحد عنه منذ 14 آذار 2005، هو حماية مشروع الدولة والبقاء تحت مظلتها السياسية والعسكرية والأمنية.

فالمصالحة في الشمال ليست لتجنيب طرابلس العودة الى أيام الحرب الأهلية فحسب، بل ايضا لحماية جذر الدولة اللبنانية العائدة من زمن الوصاية الى الاستقلال الثاني، أي الجيش اللبناني الذي كان سيجد نفسه إذا ما تطورت الأمور نحو الأسوأ، أمام حلين: إما الوقوف متفرجا وبالتالي متخليا عن دوره في حماية السلم الأهلي فتسقط الدولة ونعود الى زمن دويلات الامر الواقع، وإما التدخل بقوة لحسم الموقف فيتحول خصما للجميع ويسقط في مأزق الاستنزاف، وهو ما قد يشد عصب البعض في عداده في اتجاهي الاشتباك، فيصبح الجيش جيوشا على صورة الحرب الماضية.

فما يجري في الشمال، بقدر ما يستهدف السلم الأهلي، يستهدف عماد التماسك الوطني، أي المؤسسة العسكرية التي كانت في مرمى المؤامرة المستمرة على لبنان منذ انتصار ارادة الاستقلال الثاني والتي حملت الدولة على عاتقها منذ بدأ مسلسل السعي الى اطاحة مؤسساتها، بدءا بمحاولة زعزعة حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى ببتر مشاركة وزراء حركة "أمل" و"حزب الله" تحت زعم ملاحظاتهما على المحكمة ذات الطابع الدولي (والتي لم تكشف حتى اليوم)، مرورا بتعطيل دور مجلس النواب و"طمر" مفتاحه تحت رماد تنظيرات دستورية عن النصاب القانوني، وصولا الى تعطيل انتخاب رئيس جديد للبلاد نحو ستة أشهر، رغم زعم القبول بقائد الجيش حينها مرشحا توافقيا.

فالجيش في عين المؤامرة على استقرار لبنان منذ انتهت فترة انتظار البعض ما يراه "عاصفة سيادية عابرة" وليس موقفا وطنيا أصيلا. فقد وضعت المؤسسة العسكرية أمام امتحان، لصلابة بنيتها مرة تلو الاخرى، من تجربة "العصيان المدني" المزعوم، الى محاولة اقتحام منطقة جامعة بيروت العربية والطريق الجديدة، فمخيم تعطيل وسط العاصمة، وصولا الى قمة محاولة ضرب معنوياتها عقب الاضراب العمالي – المزعوم – حين بلغ استهدافها الذروة بالمطالبة التهديدية بمحاكمة ضباط، واتهام القيادة بالسعي الى توسل دماء المواطنين "جوازا الى رئاسة الجمهورية".

والجيش الذي كان، ولا يزال، في عين المؤامرة صانته بيروت يوم غزوها، فرفضت بلسان سعد الحريري كل محاولة لوضعه في موقع الشريك الصامت أو الطرف المحايد في ما تعرضت له من تنكيل سلاح "ذوي القربى".

توّج سعد الحريري في طرابلس إرادته حماية الدولة عبر صون الجيش من السقوط بين نارين، وفوّت على الطامحين الى استعادة توكيل بائد بإدارة الشأن اللبناني ورقة التلويح بخطر السلفية المزعوم، وأكد أن نهج تياره السياسي هو التظلل بالشرعية ومؤسساتها، وأعطى فكرة المقاومة معناها الابعد. فهي لا يمكن أن تكون إلا بذاتها، أي حماية الوطن من كل خطر واعتداء يستوي في ذلك القريب والبعيد، والعدو مع الأخ والصديق إن تخطيا السيادة والاستقلال. فلا انتقائية في الذود عن الوطن.

المصدر:
النهار

خبر عاجل