مبادرة الحريري نحو المصالحة في طرابلس في البُعدين السياسي والانتخابي
الحجز المسبق للمقاعد من أبرز الركائز الضرورية للتهدئة شمالاً
حصد النائب سعد الحريري الاستحسان على خطوته انجاز المصالحة في طرابلس من السياسيين الخصوم في المبدأ قبل الحلفاء واكثر، ورأى فيها الجميع بادرة لا يمكن رفضها او تجاهلها او حتى تقليل فاعليتها او اهميتها، وتستكمل ما بدأه الرئيس فؤاد السنيورة الذي خصص يوما لطرابلس تبلورت فيه نية جميع الافرقاء ورغبتهم في اجراء المصالحة بين ابناء طرابلس وفق ما ابلغت فاعليات المدينة الى رئيس الحكومة، وكذلك وفق ما ابلغه النائب علي عيد والنائب السابق احمد حبوس باسم ابناء الطائفة العلوية في المدينة ايضا الى كل من السنيورة والنائب الحريري على حد سواء، باعتبار ان لقاءات عقدت بعيدة من الاضواء وساهمت في التمهيد لكل هذه الحركة السياسية.
والخطوة تعتبر انجازا، وفق مراقبين كثر، لاعتبارات متعددة منها انها ضربة سياسية موفقة تأتي بمثابة رد يلتف على اي محاولة خارجية وتقطع الطريق على اي توظيف من هذا النوع، وخصوصا في ضوء ما قرأه كثيرون في موقف الرئيس السوري بشار الاسد في المؤتمر الصحافي الذي عقد اثر القمة الرباعية التي انعقدت في دمشق الاسبوع الماضي باشارته الى مدينة طرابلس باعتبار انها مكان للتطرف لا يمكن لبنان ان يستقر في ضوئها محملا المسؤولية لدول اقليمية قال انها تدعم قوى متعددة في المدينة. وكان ثمة توافق في الرأي لدى كثيرين على ان مقاربة الرئيس السوري للموضوع امام زوار اجانب لدمشق هي اعادة فتح لملف حساس بالنسبة الى اللبنانيين في الشكل والجوهر في آن واحد.
وتقطع البادرة دابر امكان تطور الحوادث في طرابلس وتوفر على المدينة قطوعا ثانيا بعد القطوع الذي عاشه الشمال العام الماضي في حوادث نهر البارد وما قبلها. وكان لانفتاح الحريري كطرف سياسي في كل الاتجاهات ونحو كل الشخصيات الشمالية، وهو غير انفتاح السنيورة من موقعه كرئيس للحكومة، وقع ايجابي ومهم الى حد بعيد.
وبدا بالنسبة الى مراقبين محليين ان هذه البادرة تحرج الى حد ما بعض قوى المعارضة الاساسية في بيروت، باعتبار ان ما حصل خلال الاشهر الماضية، ولاسيما في 7 ايار وما بعده، كان يستحق خطوة جريئة من هذا النوع من اجل تنفيس الاحتقانات الطائفية والمذهبية وحتى السياسية، وخصوصا ان الكرة كانت ولا تزال في ملعب هذه القوى التي تتحمل المسؤولية المادية والمعنوية عما حصل. ولا تزال ردود فعل ابناء بيروت تشهد على استمرار الانعكاسات السلبية لما حصل في الاسبوع الذي سبق التوجه الى الدوحة والاتفاق على الحل السياسي الذي يتم تطبيقه، وقد تبين ان المصالحة او المصافحات التي حصلت هناك كانت سطحية وغير كافية وان النفوس لم تكن مهيأة، علما ان الفرصة لا تزال متاحة لذلك. فضلا عن ان خطوة الحريري لاقت تشجيعا وتقديرا من كل من الرئيس نبيه بري والامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله ومن القيادات الدينية من كل الاتجاهات ايضا. ومع اقرار هؤلاء بان النائب الحريري قطف سياسيا ما سبق التحضير له وانضاجه من حيث تلاقي رغبة جميع الافرقاء على ايلاء موضوع المصالحة الاهلية والسياسية الاولوية على اي امر آخر، فان ادراجه تحت سقف الدولة، بعد اندراجه تحت سقف الرعاية الدينية ايضا لمفتي طرابلس مع احترام الحيز السياسي للافرقاء السياسيين في المدينة ومصالحهم المباشرة الطائفية وربما الانتخابية، يساهم في تعزيز المكسب السياسي ايضا في اتجاهات متعددة لا مجال للدخول فيها الآن.
الا ان ما يقفز طبعا الى الاذهان هو الانتخابات النيابية المرتقبة. اذ ان اي تحرك او بادرة من اي جهة اتت في الاكثرية او في المعارضة السابقة او حتى اي موقف انما يندرج في اطار التحضير للانتخابات على قاعدة مراكمة الاوراق الرابحة والسعي الى تأمين مقوماتها من اليوم، كما فعل النائب ميشال عون في زيارته للجنوب وجزين قبل مدة او زيارته للرئيس عصام فارس في موناكو ايضا قبل عشرة ايام في محاولة لاقناعه بالعودة الى بيروت والترشح عن المقعد الارثوذكسي في الاشرفية والبحث معه في امكان التحالف او التعاون في مناطق اخرى ايضا. او كما يسعى كل الافرقاء السياسيين من اليوم، وغالبا بعيدا من الاعلام، من اجل تأمين تحالفات وقاعدة مناسبة داعمة في بعض المناطق. واللعبة على هذا المستوى مشروعة في اي حال وتكتسب اهمية اكبر متى كانت تؤمن لبنة على طريق عودة الوضع الامني والسياسي الى طبيعته بعيدا من التوترات الطائفية والمذهبية، وتاليا الحرب الاهلية.
هذا في ظاهر الامور. اما في ما هو ابعد منه، فان الكلام يسري على ان خطوة الحريري تندرج في اطار حجز بعض المقاعد النيابية او حفظها وتأمينها لخصومه المفترضين في طرابلس على قاعدة انها الثمن المطلوب للتــهدئة في طرابلس او الضغط من اجل ذلك تحت طائلة استمرار الحوادث والتوترات. وهي مقاعد للبعض في طرابلس والضنية وحتى في عكار، نظرا الى ان الدعم الكبير لـ"تيار المستقبل" في هذه المناطق سيحول دون تأمين هذه المقاعد لخصومه. وما يتم ادراجه من تحركات تحت العنوان الانتخابي يسري ايضا على التطورات الامنية في طرابلس او ســواهــا مــن المــنــاطــق، باعتبارها رسائل يتعين فهــمــها في هــــذا الاطــار وتــركيب اللوائح وحجز المقاعد بــدا مــنــذ بعــض الوقت في اكثر من منطقة.