عـــن السياســـة، عـــن الصحافـــة
ترك جورج نقاش كتيبا صغيرا فيه مختارات من افتتاحياته، طُبع طباعة صحافية عاجلة ورخيصة.
وترك اهم جريدة بالفرنسية في الشرق سمّاها "الاوريان"، واسس في الخمسينات "الجريدة" التي كانت جريدة الكتّاب الكبار. واصبح سفيرا لدى باريس ايام الجنرال ديغول الذي روي انه قال له، كما قال لفيليب تقلا، ان ثمة شعبا واحدا يتحدث الفرنسية افضل من اهلها هو اللبناني. ويقصد امثال جورج نقاش.
عندما اصبح جورج نقاش وزيرا للاعلام مع فؤاد شهاب الذي اراد ان يقلد ديغول واندريه مالرو، كتب ميشال ابو جودة مستهجنا: "ماذا جئت تفعل في هذه الحلبة؟"، يقصد بذلك حلبة السياسة، و"سوق الاوقية"، وتجارة الاوطان والارض، وتجارة البشر والارواح، ودعارة المبادئ التي تغير وتبدل خلف المسرح وفوقه، بعد الستارة وقبلها، يسبقها تبرير ويُلحق بها تبرير، يتقدمها خراب ويتخللها دمار وتعقبها هجرات جماعية.
لماذا اعتبر ميشال ابو جودة صاحب "الاوريان" فوق السياسة ودعارتها؟ لان جورج نقاش كان ينتمي الى عائلة الصدق والفكر والثقافة الكبرى، وخصوصا الى النزاهة الكبرى. ذلك جيل كانت فيه الكلمة هي الرجل، والرجل هو العهد. والعهد ان يكون الرجل كبيرا، عملاق النفس، صفي الروح، نقي القلب، مغلق الضمير. لا يفسده ولا يلوثه فساد او اغراء، او جاه او مال.
وعلى رغم ضمانة فؤاد شهاب الاخلاقية، سرعان ما ترك صاحب "الاوريان" الوزارة والسياسة وعاد الى مكتبه حيث يستطيع ان يكون نفسه من دون التلوث بأحد، او التسمم بحقد او غضب.
طبعا كان يعرف صاحب "الاوريان" ان الصحافة فيها ايضا شيء من التلوث، واحيانا شيء حتى من الدعارة. ولكن شتان ما بين الدعارتين: واحدة تتاجر بكرامة صاحبها، واخرى تتاجر بكرامة الارض وكرامة الناس وعرض الدولة، وتمشي فوق الجثث، منتشية، رافعة اشارة النصر.
لذلك عاد الى "الاوريان"، الجريدة التي ارتقت بالمهنة وبالمهنيين وتخرج فيها بعض المع الناس واكثرهم نجاحا وشفافية وكرامة اخلاقية، ازداد عددهم مع الدمج مع "لوجور". واكتفي بذكر ادوار صعب، ولوسيان جورج، وصلاح ستيتيه، والاخلاقي الصافي عيسى غريّب.
تتهم الصحافة بأنها كانت وراء حرب لبنان. مجرد شقق مفروشة لمن يملك بدل الايجار. لكننا لا نذكر صحيفة هرّبت أسلحة أو جندت قتلة وميليشيات، او ارسلت قناصين، او اقامت خنادق، او شقت الجيش، او وجهت مدافعه الى بيوت الناس.
نعم، كانت هناك صحف رديئة وتحريضية تشبه الميكروفونات الداعية الى القتل او الى الانتحار. لكن الصحافة ظلت صحافتين: واحدة تعكس المال السياسي، والقتل السياسي، والتجارة السياسية، وايضا الدعارة السياسية. وواحد تعكس الصحافة الحقيقية المستقلة.
ثمة مؤسستان فقط لم تنقسما ولم تذهبا شرقا ولا غربا وابقتا بيروت واحدة على رغم كل السم التقسيمي: الجامعة الاميركية وجريدة تدعى "النهار" وكان اهل "النهار" يُخطفون تقريبا كل يوم، وهم متوجهون لاصدار الجريدة المستقلة الاخيرة، على امل ايقافها عن الصدور، لكن "النهار" ظلت تصدر نكاية بالدعارة السياسية التي نشرت الموت اليومي ومدافع الليل، وموانئ السرقة والاسواق السوداء وهددت الناس في ارغفتهم ومدارسهم وحياتهم.
رافق سؤالان أزليان الوجود اللبناني: من الذي انشأ لبنان، ومن الذي دمّره؟ ما هو سر وجود لبنان، وما هو السر في تفككه؟
يقول جان – بول سارتر في مقدمته لسيرة بول نيزان: "الديكتاتورية والفاشية تنموان عندما تبدأ الامم بالتحلل".
عندما تزول الحرية كمبرر للبقاء وراية للحياة، عندما يعلو صراخ الفاشية على صوت الحكمة او صمتها.
لبنان، هذا المصباح الصغير على المتوسط، لم تصنعه جيوشه، كان قصيدة وكتابا وصحيفة، من نيويورك الى الاسكندرية. مرة يرفع اسم "الهدى"، ومرة يرفع اسم "الهلال". مرة "الرابطة القلمية" وجبران ونعيمة والريحاني وابو ماضي، ومرة "الاهرام" و"المقتطف" والشميل وفارس والجميل وزيدان وجاماتي. هذه البقعة الصغيرة لم ينشرها حول الارض (في العصر) السياسيون، بل عبقرية الاقلام و"مواكب" الشعراء، وانتماء اللبناني الى فكرة الحرية. وما من سياسييه من اتخذ الحجم القومي او الدولي الا من صاحَبَه قلم او فكر او بُعد انساني، كمثل كمال جنبلاط او شارل مالك، او قسطنطين زريق. السياسيون الآخرون اسروا لبنان في حجمه وفي حدوده. ونخروا فيه فسادا وسرقة ودعارة سياسية. وعندما تذكر القامات الوطنية الكبرى والعصر الذهبي والحقبة الجميلة، يتقدم اسم جورج نقاش ومرحلة النقاء الوطني والاستقلالية الراقية وتعود الى الذاكرة الاسماء التي لمعت في فناء "الاوريان" ذلك اللمعان الالماسي، من جورج شحادة الى كسروان لبكي الى رينه عجوري الى الكاتب الضيف شارل حلو الذي خرج من القصر الجمهوري لينضم الى اسرة "الاوريان – لوجور" حتى نقطة الحبر الاخيرة.
يصعب علينا ان يتهم احد الصحافة بممارسة الدعارة ونحن نشهد قحة هذه السوق العلنية واعراضها وبثورها وسقطها، وهذه التعابير التي توزع على الناس وتلقى في آذان الناشئة، وتجعل لبنان الاخطل وسعيد عقل وامين نخلة وفوزي معلوف والياس ابو شبكة وجبران والعلايلي، يبدو كأنه لا يعثر سوى على السوقيات يعبر بها عن نفسه وعن حاله وعما وصل اليه وآلت اليه لغته السياسية وقصور مفرداته المقبولة، هو ابو المعاجم وام التراجم.
اعتذر عن استخدام كلمة "دعارة" فما ذلك من شأني ولا من خلق هذه الجريدة التي تصدر منذ ثلاثة ارباع القرن، من اجل لبنان افضل ولبناني ارقى. وتقويم الدعارة الصحافية يكون فقط بتقويم الدعارة السياسية. واذا كان من دور تحريضي فتنوي تقسيمي دسائسي، من كل الجهات، فهو الاعلام غير المستقل والذي لا يبرره اي مبرر اقتصادي او مهني. هذا الاعلام، مرئيا ومكتوبا ومذاعا، من كل الجهات والفرق والنهوج، هو الذي يعكس سياسات التدمير والنعي والعزل وتسميم العلاقات بين الناس وزرع المذهبيات والطائفيات ولغة الشارع، بديلا من لغة الوطن.
جل من لا يخطئ، واذا كانت "الاوريان – لوجور" قد اخطأت في استباق القضاء، فليس لانها تمارس دعارة صحافية، بل لانها هي ايضا، تعكس احيانا دون قصد، ممارسات السياسيين اليومية، التي لا ترقى غالبا الى ارفع من هذا.