يعود لبنان بعودة التوازن العربي!
اللبنانيون المتخاصمون مع سوريا واللبنانيون المتحالفون معها، باستثناء قلة من الجانبين تربطها بسوريا او بأخصام سوريا في المنطقة والعالم علاقات "تعامل" وليس علاقات "تحالف" او صداقة، يجمعون على عدم عودة سوريا الى لبنان عسكرياً واستعادتها الوصاية عليه بواسطة شبكاتها الاستخباراتية المباشرة وغير المباشرة، وبناء دولة لبنان السيدة والمستقلة والديموقراطية التي يشكل العيش المشترك والمتوازن لجميع شعوبها، اي طوائفها والمذاهب، الاساس لها، وعلى قيام علاقات متكافئة وسليمة بين دولتهم ودولتها يحفظ من خلالها لبنان أمن سوريا ويحول دون تعرضها للخطر وخصوصا من ارضه ويحمي مصالحها المتنوعة المشروعة كما تحفظ هي ايضا أمن لبنان وتحمي مصالحه المشروعة.
واذا كان الاجماع اللبناني المذكور اعلاه على علاقة متكافئة وسليمة مع سوريا صحيحا، فلماذا اذاً استحالة ترجمته عملياً الى الآن؟
ولماذا استمرت سوريا مادة للخصام بل العداء حتى التقاتل بين اللبنانيين بدلاً من ان تكون واسطة خير وتفاهم بينهم؟
ولماذا استمر لبنان ساحة تقلق سوريا وتدفع قادتها الى محاولة درء خطرها عليها بكل الوسائل الممكنة واسهلها على الاطلاق كان ولا يزال استعمال اللبنانيين بعضهم ضد بعض واستعمال مؤسسات الدولة بعضها ضد بعض واستعمال لبنان كله ارضا وشعوبا ضد مثيري قلقها من العرب والجهات الدولية والاقليمية؟
الجواب عن ذلك مكون من شقين. الاول، الاصرار على ان الاجماع المشار اليه اعلاه صحيح. والثاني، الاشارة الى ان عدم ترجمته يعود الى سببين مهمين. الاول، انقسام اللبنانيين طوائف وادياناً ومذاهب متوجسة وخائفة بعضها من بعض ومتحاربة. وهذا امر مزمن لا علاقة للخارج به صديقاً كان أم عدواً أم شقيقاً الا من زاوية واحدة هي عدم اقدام هذا الخارج وخصوصا الصديق والشقيق على مساعدة اللبنانيين بصدق لتجاوز هذا الانقسام ولاقناعهم بأن الوطن اولوية يجب ان تسبق اي اولويات اخرى اياً تكن اهميتها. وهي ايضا اقدام الخارج نفسه على تغذية الانقسام والاحقاد والتقاتل خدمة لطموحاته واهدافه المناهضة لمصالح لبنان الدولة والوطن والكيان. اما السبب الثاني، فهو غياب التوازن على الساحة العربية الذي افاد منه (أي التوازن) لبنان كثيرا في الماضي اذ ساعده على مواجهة تحديات كثيرة مثل الانقسامات العربية الحادة والمشروعات الاقليمية والاستراتيجيات الدولية التي لا طاقة له على خوض "معمعتها" لاعتبارات كثيرة معروفة.
والغياب المذكور ليس حديثا. فاتفاق الطائف عام 1989 الذي رعته اللجنة العربية الثلاثية العليا (السعودية والجزائر والمغرب) والذي باركته اميركا ومعظم المجتمع الدولي وكُلّفت سوريا مساعدة اللبنانيين على تطبيقه دلّ في وضوح على وجود نوع من التوازن العربي المفيد لانهاء الحرب اللبنانية فعلياً ولمباشرة اعادة بناء الدولة وكل شيء آخر. لكن هذا التوازن بدأ يختل عندما عمدت سوريا الى تلبية حاجة اميركا الى قوات عربية تغطي اخراجها عسكريا عراق صدام حسين من الكويت الذي غزاها صيف عام 1990، وعندما اخذت في مقابل ذلك نوعاً من "شيك على بياض" في لبنان استعملته لازالة "تمرّد العماد عون" وتقليص نفوذ كل العرب الآخرين وتحديداً الكبار في لبنان ثم طردهم منه بواسطة شعوبه. طبعا لم يرتح اللبنانيون في معظمهم الى ذلك، لكنهم كانوا مهتمين اولاً بانهاء الحرب ولم يكونوا يعرفون بوجود اجندة سورية مناقضة لمصالحهم ومصلحة وطنهم وكانوا واثقين وإن بتردد انها ترغب في مساعدتهم. وعندما اكتشفوا ذلك كان كل شيء قد انتهى لمصلحة سيطرة سوريا على البلاد. ورغم ذلك لم يتخل العرب وخصوصا السعودية ودول الخليج ومصر عن لبنان لكن مساعدات المقتدرين منهم ماديا اقتصرت على الموضوعات الاقتصادية والمالية. أما غير المقتدرين فقد اكتفوا بالمراقبة والتنبيه من حين الى آخر.
عدم التوازن العربي هذا بالنسبة الى لبنان، اي بين سوريا من جهة والسعودية ومصر من جهة اخرى، عاد الى الواجهة من جديد في هذه المرحلة وتحديدا بين 2005 موعد خروج سوريا عسكريا من لبنان، و2008 موعد عودتها سياسيا "وتدخلياً" اليه. اذ انكفأت مصر عن لبنان الى حد كبير بعد مرحلة من التحرك النشط فيه ولمصلحته مع سوريا وغيرها رغم استمرار عدم موافقتها على السياسة التي تنتهجها سوريا في لبنان والتي فيها الكثير من الاحلام والاوهام والاطماع والطموحات. وانكفاؤها مرده الى تغيّر الوضع الداخلي اللبناني لمصلحة حلفاء سوريا والى انشغالها المزمن بقضية فلسطين وتطوراتها الخطيرة وبمشكلاتها الاقتصادية ومصير نظامها وبمواجهة الخطر الايراني على المنطقة العربية. اما السعودية فانها لم تنكفىء، ولا تزال تواجه. وقد تستمر طويلا في المواجهة رغم اخطارها على الاستقرار اللبناني بل على لبنان كله. والدافع الى ذلك رفضها سياسة سوريا في لبنان بكل اهدافها، لكن اوضاعها ليست سهلة فهي ليست على حدود لبنان والمؤيدون لموقفها اللبناني من اللبنانيين ليسوا مسلحين كمؤيدي سوريا ولديها مشكلات مع ايران الاسلامية القادرة على ضرب استقرارها الداخلي ولديها الارهاب الاسلامي الذي تكافحه داخل اراضيها وخارجها.
وما زاد اختلال التوازن هذا غياب العراق الذي كان يشكل وحده احيانا وبسبب مواجهته مع سوريا رغم "بعثيتهما" المشتركة عامل توازن معها في لبنان او عامل مواجهة وصراع اساسيين وعسكريين. فهذه الدولة العربية الكبيرة محتلة ومجزأة تعيش منذ سنوات حرباً اهلية ومذهبية ولكن من دون اعلان رسمي وحرباً ضد الاحتلال الاميركي وحربا ارهابية تشنها "القاعدة" ومتطرفوها على المجتمع وتدخلاً ايرانياً يكاد يسيطر على البلاد كلها.
هل يعني ذلك ان لا امل للبنان في اقناع سوريا، في غياب مؤازرة قوية بل حاسمة للدول الشقيقة مصر والسعودية والعراق بالاستجابة لطموح شعوبه الى اقامة علاقات سليمة ومتكافئة معها؟
الجواب ويا للاسف اقرب الى الـ"نعم" منه الى الـ"لا". وهو قد يصبح نعم فقط عندما تتجاوز شعوبه انقساماتها الطائفية والمذهبية والدينية التي تكاد تصبح "عرقية" وتعطل القلة في كل منها "المتعاملة" مع سوريا او مع اخصام سوريا والمنفذة لمصالحها ومصالحهم وإن على حساب مصلحة لبنان. فهل تتحقق هذه "المعجزة"؟