المصالحة وأخواتها…
ليست المشكلة في التفاصيل (يا إخوان) عند رواية وقائع ما سبق وتلا حرب تموز 2006 وغزوة 7 أيار 2008 على أهمية تلك "التفاصيل" وخطورتها خصوصاً إذا كانت من نوع إحراق صحيفة وإقفال محطة تلفزيون واقتحام بيوت نواب ومواطنين واعتراضهم في الشارع وإهانتهم وضربهم وشتمهم أو تلفيق خبريات وروايات عن ميليشيات طنانة رنانة بلغ التزوير في شأنها والكلام التهويلي عنها حداً كاد السامع معه أن يظن أن جيش الرايخ الثالث عاد وفرَّخ في قلب بيروت أو أن الجيش الأحمر مد زحفه الى شوارعها وأحيائها.
لم تكن المشكلة في التفاصيل وليست كذلك لا بالأمس ولا اليوم إنما في الأساس العريض الواسع الذي سبقها وغلَّفها ورعاها وسهر على نموها بدأب لا يقارن!
ليس أمراً بسيطاً أو صغيراً أو هامشياً أن يقال ما قيل في 8 آذار 2005 على بعد خطوات من ضريح الرئيس الشهيد رفيق الحريري وثلاثة أسابيع على جريمة اغتياله، وليس أمراً بسيطاً أو هامشياً محاولة انتاج وفبركة أكبر عملية من نوعها في التاريخ لتزوير الحقائق والوقائع والمعطيات الدامغة التي تتعلق بالجريمة ومنفذيها ثم القول ببراءة الأطفال "أعطونا دليلاً واحداً يؤكد اتهاماتكم"، وليس أمراً بسيطاً أو هامشياً على الاطلاق المسارعة في كل مرة الى تلفيق تهم البراءة لرؤوس أمنية سيتضح قريباً حجم تورطها ودورها في ما حصل، وليس أمراً بسيطاً أو هامشياً أو بريئاً (يا إخوان) تلفيق تهم العمالة والتبعية لقادة 14 آذار وتقديم مطالعة تبرئة مسبقة لمن يريد هدر دمائهم.
أكثر من ذلك، بل قبل ذلك وفوقه: ليس تفصيلاً عابراً أو هامشياً أن يُعتبر التطلع الى قيام دولة تليق بإسمها لا وصاية عليها ولا أوصياء، ناجزة، حرة، سيدة ومستقلة، ضرباً من ضروب العمالة والتبعية.
المصيبة (يا إخوان)، تكمن هنا تماماً وتحديداً. أن لا ترى الآخر ولا تعطيه حقاً ولا تجد غضاضة في اعتبار شهدائه وكباره ورواده ضحايا حوادث عابرة ليس إلا، وتبرئة القاتل والمجرم في كل مرة، وتغطية البلايا والخطايا تحت لافتة عريضة اسمها المقاومة وخط الممانعة. ليست المشكلة في التفاصيل بل في عدم قراءتها كما هي وعدم الاعتراف بتأثيراتها المدمرة على الطرف الآخر معنوياً وسياسياً وأخوياً ودينياً… وعدم احترام جروحه ومصائبه وتطلعاته وخياراته ثم تتويج كل ذلك بعملية انقلاب مباشر بالسلاح على كل ما أنتجه بصوته وسياسته.
القائمة تطول، لكن اختصارها على جانب واحد من الطريق، يجعل الواقف على الجانب الآخر يحث الخطى الى النقطة الوسط لقول كلمته: لا تبدأ المعالجة والمصالحة وطي الصفحة بالاصرار على الخطأ والامعان فيه واختصار الأمر بجملة واحدة: نحن الأخيار وهم الأشرار! المشكلة أكبر وأعمق لأن الآخر أيضاً يقول: نحن الأخيار وهم الأشرار… أليس كذلك؟
