#adsense

نعيش الجاهلية في القرن الواحد والعشرين

حجم الخط

نعيش الجاهلية في القرن الواحد والعشرين

نعيش الجاهلية في القرن الواحد والعشرين في مقاربة هادئة وموضوعية، لما تضطرم به ارض هذا المشرق في مختلف دوله ودويلاته، من أحداث ‏ونزاعات وحروب وتقاتل، بين أبناء العشيرة الواحدة احياناً، وبين العشائر المختلفة في أكثر ‏الأحيان، يطلع المراقب بنتيجة مؤكدة أن شعوب هذه المنطقة العشائرية تستمرىء العيش في ‏الجاهلية، حتى ولو كان وجودها في القرن الواحد والعشرين، وان الماضي يشدّها اليه، وهي ‏تسلس له القيادة راضية مرضية، لأن المستقبل، وما يعني من تطور وانفتاح ونظام وقانون ‏ودولة، لا يعني لها شيئاً.

فهي مدمنة على امراض الماضي وأحقاده، ومحجور عليها في العادات، ‏والتقاليد، والمفاهيم الغلط، وهي تستحضر في كل وقت، موروثات ممن جاءوا قبلها، وهم ‏ورثوها بدورهم عمّن سبقهم.

وكل هذه الموروثات لا علاقة لها بالحداثة، ولا بالمعرفة، او ‏بالخلق والابداع، ولا بقيمة الانسان، بل هي تحريض دائم على العداوة والقنص والغزو والقتل ‏والتكفير.

‏ المسيحيون في اوروبا عاشوا هذه الحالة التي وصلت اليهم محمّلة بخلافات عقائدية ودموية حصلت ‏في ايام المسيحية الاولى، وبعثرتهم في ما بعد شيعاً، وحالات ومذاهب عدة، تنازعت حتى شبعت، ‏وتقاتلت حتى تذابحت.

وهذا المنطق القبلي الذي عاشه المسيحيون حتى الثمالة، قد اخذ يضعف ‏شيئاً فشيئاً في اوروبا الهرمة، وهو أقل تواجداً وتأثيراً في دول العالم الجديد، خصوصاً تلك ‏التي استقبلت مختلف الألوان والأجناس والطوائف، وبدأت تصهرهم في قالب الدولة والقانون ‏والنظام والتطلع الى الغد وليس الى الامس، دون أن يعني ذلك تحرّر الجميع من قيود الماضي ‏الثقيلة، لأن مثل هذه الجينات الموروثة لا تتحول بالكامل من سيىء الى حسن، او بالعكس، ‏بالسهولة التي يتصوّرها انسان.

‏ ‏*‏ ‏*‏ ‏*‏
العالم العربي ليس باحسن حال من العالم الغربي، وكذلك العالم الاسلامي، حيث تسيطر الخلافات ‏المذهبية على حياة الناس في مختلف وجوهها، الثقافية والاجتماعية، والدينية، والسياسية، ‏والفقهية، وحتى على الطعام واللباس والمظهر والتقاليد، والخلافات الاسلامية هذه نافرة، في ‏الاجمال، بشكل اقوى، من الخلافات المسيحية، وتلجأ القوى الاسلامية الى حسم خلافاتها بعنف اكبر ‏واوسع مما يظهر عند المسيحيين، فكيف اذا اجتمعت كل هذه التناقضات تحت سقف واحد، وفي ‏مساحة جغرافية لا تتجاوز مساحة مدينة في العالم المسيحي او العالم الاسلامي، وتقوقعت ثماني ‏عشرة طائفة ملتهبة، في منطقة ضيّقة محصورة تلتهب منذ قرون ولم تبرد بعد، تدعى لبنان.

‏ لبنان هذا، ليس صنيعة الله بشرياً، بل هو صنيعة الهجرات المتتالية من ناس لجأوا اليه هرباً ‏من فؤوس وسكاكين ورماح ورصاص جاهلي قطع رؤوس احبائهم وتغذّى بدمائهم، ورقص باشلائهم، ‏ولما ارتاحوا وأمنوا على ارواحهم، تحرّكت عندهم غرائز الماضي، ونادتهم الجاهلية مجدداً ‏فلبّوا النداء، ولجأوا بدورهم الى قطع الرؤوس وشرب الدم، والرقص بالاشلاء، ألسنا كلنا ‏أبناء الجاهلية؟

‏*‏ ‏*‏ ‏*‏
لن اعود الى القرون السابقة الدامية، ولا حتى الى القرن التاسع عشر، بل الى الثلث الأخير ‏من القرن العشرين، والربع الاول من القرن الواحد والعشرين، الم يمض اللبنانيون هذه ‏الفترة المجبولة بالدماء والدموع، في حروب دائمة ومصالحات دائمة، بحيث اصبحت كل مصالحة ‏تعقد، ممرّاً اجبارياً الى حرب جديدة، يأكل فيها الأخ لحم اخيه، ليعودا بعد حين الى طاولة ‏حوار او صلح او مصالحة او هدنة، ليأكلا الطعام مع بعضهما بعضاً، و«كاسك يا خيي».

‏ أليس هذا ما جرى في الطائف والدوحة وعلى كل طاولة حوار ومصالحة، لتستل بعدها السكاكين ‏النائمة ـ على وزن الخلايا النائمة ـ ويبدأ الطعن والقتل والذبح تمهيداً لمصالحة جديدة او ‏هدنة موقتة.

‏ وهل هي دعوة الى التشاؤم النكد ان خشي الناس ان تكون المصالحة التي تعب على تحقيقها ‏اصحاب الشأن في طرابلس، قد لا يكتب لها العمر الطويل، اذا قيست على ما جرى سابقاً لأن ‏الوحش الجاهلي الكامن في الانسان، هو اقوى من الانسان وارادته، وان الذي يعيش على رائحة ‏الموت والكره والحقد، لا يستطيع أن يحب الحياة ولا المحبة ولا السلام، ويكفيه القليل القليل ‏من نفث السموم واعلاء صوت البغضاء، حتى يتردد صداها ايجاباً في المقلب الآخر، على اعتبار ان ‏كلنا من ابناء الجاهلية، خصوصاً وان السلاح ما زال رفيق النوم عند كل الافرقاء، في ‏طرابلس، وفي غير طرابلس، واصرار البعض على التمسك بالسلاح لا يبشّر بالخير، ولا بدوام ‏المصالحة.

‏ السلاح في المطلق، هو شرّ مطلق، فكيف اذا كان السلاح مزروعاً في لبنان بهذا الحجم من ‏الكثافة، وهو البلد الذي يوسوس فيه على مدار الساعة ثمانية عشر شيطاناً جاهلياً.

من ‏اجل ذلك، واذا كنا نريد حقاً الانتقال من عصر الامس الى عصر الغد، فان الحل الوحيد، هو ‏بازالة هذا الشرّ، الذي يجعل هذا البلد يراوح مكانه، مع تطلّع اكبر الى الوراء، في غياب ‏الحوافز الخيّرة، والادوات السلمية التي تمهّد له طريق الانضمام الى دول المستقبل وشعوبها.

المصدر:
الديار

خبر عاجل