الحوار اللبناني وتقطيع الوقت
يستأنف الفرقاء اللبنانيون في الاكثرية والاقلية حوارهم «الوطني» الاسبوع المقبل تطبيقاً لاتفاق الدوحة الذي أعقب «غزوة» بيروت، واستكمالاً لليونة الملجومة في المواقف بعد انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة «وحدة وطنية»، واستطراداً للمصالحة في عاصمة الشمال طرابلس التي يحتمل ان تتوسع لتشمل البقاع ومناطق اخرى. ورغم الايجابية البديهية لأي لقاء او نقاش بين المختصمين في كل شيء، من السياسة الى الأمن وصولاً الى الاقتصاد، الا ان علامات استفهام كثيرة لا تزال تحيط بجدوى الحوار وإمكان تطويره الى شراكة حقيقية وليس مجرد هدنة لا تلبث ان تلغيها عوامل داخلية او اقليمية، مثلما حدث من قبل في صيف 2006.
وما يطرح الشكوك المشروعة حول فاعلية الحوار، ان مواقف الاطراف من القضايا الخلافية الاساسية التي ادت الى الانقسام والاقتتال لا تزال على حالها، ولا سيما مفهوم الدولة ودورها والعلاقة مع سورية وارتباط السلم الاهلي بمصالح تتجاوز الحيز الجغرافي العربي. ولعل أحدث دليل على استمرار التباعد الكبير في المواقف، التصريح الذي ادلى به الامين العام لـ «حزب الله» اول من امس وأكد فيه ان «الوضع في لبنان يتوقف على تطور الملف النووي الايراني والمفاوضات غير المباشرة بين سورية واسرائيل في الوقت نفسه».
وإذا كان صحيحا ان لبنان ليس معزولاً عن محيطه ويتأثر مثل اي دولة اخرى بالتطورات فيه، فإن تقويم السيد حسن نصرالله للوضع في بلده وربطه بتطورات العلاقة بين ايران والغرب وبين اسرائيل وسورية، يعني ان للحوار مهمة محددة ليس إلا: تقطيع الوقت الى حين يتضح المناخ الاقليمي بعد الانتخابات الاميركية سلماً او حرباً.
وثمة من يعتقد ان «الاعتدال» الطارئ على المواقف مرده الى التهديدات الاسرائيلية المتزايدة والمترافقة مع تحضيرات حربية واسعة وحشد للقوات عند الحدود اللبنانية. فإسرائيل عدو لا يمكن الاطمئنان الى نياته، وسبق لها ان لجأت الى آلتها العسكرية للخروج من أزمة سياسية داخلية او لفرض واقع على الارض يتجاوز الضغوط الدولية الساعية الى السلام في المنطقة، او كلما رأت ضرورة لما تعتبره استباقاً لخطر أمني. وهي كررت في الاسابيع الاخيرة الادعاء بإجهاض محاولات قام بها «حزب الله» لاستهداف اسرائيليين في الخارج انتقاما لاغتيال القيادي فيه عماد مغنية، وتحدث قادتها مرة تلو الأخرى عن ازدياد تسلح «حزب الله» وتعزيز ترسانته الصاروخية، بالاستناد الى تصريحات قادته انفسهم وليس فقط لمعلوماتها الاستخباراتية، وكأنها تحضر الرأي العام العالمي لتوقع دخولها مغامرة عسكرية جديدة في لبنان بذريعة تهديد أمنها.
وجاء تقرير أخير لخبراء الامم المتحدة ليكشف ان الحدود بين سورية ولبنان لا تزال «سائبة» ومفتوحة امام عمليات تهريب السلاح الناشطة عبرها، معتبراً ذلك خرقاً للقرار 1701 وموصياً بإنشاء قوة لحرس الحدود تتولى مراقبتها.
واذا كنا نعرف حقيقة اسرائيل ودأبها على افتعال الاعذار لتبرير اعتداءاتها على لبنان، فهل يفيد هذا البلد ان يكون مكشوفاً الى هذا الحد عبر ربط استقراره باحتمالات شتى خارجة عن ارادته والتباهي بتكديس الصواريخ والتأكيد بأن الانتقام لمغنية لا بد آت، حتى ولو كان المقصود «ردع» اسرائيل عن مهاجمة لبنان مجددا؟ وما الذي سيحصل اذا ازدادت الضغوط على ايران في ملفها النووي، فهل يكون لبنان ساحة لتنفيس الاحتقان برغبة وموافقة بعض ابنائه؟ واي فائدة تبقى للحوار عندها؟