عندما يستقيم الحوار الجدي لا يخرج قطاره عن السكة؟!
أما وقد تحدد موعد انطلاق مؤتمر الحوار الوطني في السادس عشر من ايلول الجاري، فمن الضروري المحافظة على الموعد اولا ومن ثم تقبل المدعوين المؤتمر على اساس ما يمكن ان يجتمع اللبنانيون حوله، وبالتالي اعتبار الحوار خطوة ديموقراطية لا بد منها للتفاهم على ما هو اسلم عاقبة بالنسبة الى الوطن والى الجميع في وقت واحد، خصوصا انه يقترن بالضرورة بالتوصيف الوطني، الامر الذي يبعد المناسبة عن ان تكون مساجلات حرب واثبات وجود (…).
وفي حال كان اقتناع بأن الحوار غاية وطنية لا بد من اعتمادها للخروج من الازمة، من الواضح ان طروحات المدعوين ستتركز على كل ما من شأنه ابعادهم عن ان يكونوا متهمين ومتسببين بمنع البلد من ان يقف على رجلين قويتين، لاسيما ان صراع البقاء يكاد يقضي على مقومات البلد وقدراته وطاقات شعبه!
والذين كانوا يقولون ان رئيس الجمهورية قد تأخر اكثر من اللازم في توجيه الدعوة الى مؤتمر الحوار، فإنهم لن يحسدوا الرئيس ميشال سليمان على مواجهة استحقاق جمع السياسيين المتضاربين، ليس لانه لن يكون قادرا على قيادة قطار الحوار، بل لانه يعرف عمق المشكلة والمطلوب منه يتخطى في بعض المنعطفات «حيادية الرئاسة» كي لا يقال لاحقا ان افتقاد المؤتمر الى التوازن والى النظرة الواحدة افقد الرئيس سليمان حرية تحديد الاهم وتقديمه على المهم!
وما يمكن الاتكال عليه اكثر من غيره، ان ما نمي عن قوى 14 آذار لا يختلف عما نمي عن قوى 8 آذار، اي ان لكل فريق وجهة نظر واحدة وورقة عمل واحدة، وهذا افضل كثيرا من تعدد الاوراق وتشتت المناقشات باتجاهات لا تخدم الهدف من المؤتمر ومن الحوار في النتيجة.
وعندما يقال ان «لا مشكلة على طاولة الحوار سوى سلاح المقاومة»، ترد بعض القوى ان من الافضل القول ان «البحث يجب ان يتركز على الاستراتيجية الدفاعية»، مع العلم ان التسميتين توصلان الى نتيجة واحدة اسمها سلاح حزب الله المشكور عن ادائه في امكنة معينة، والمشكو من استخدامه في اماكن لا يصح استخدامه فيها!
المقصود في الحالين ان كل من سيشارك في مؤتمر الحوار سيدافع عن وجهة نظره، شرط ان يتوافر «الاستعداد المتبادل لتقبل رأي الآخر»، والا تحولت المناسبة الى سوق عكاظ.. وبداية الى مناوشات سياسية وغير سياسية لا نهاية لها، خصوصا ان وسائل الدفاع، بحسب ما هو سائد، متوفرة وجاهزة غب الطلب (…).
واذا كان من الافضل للجميع الخروج من باب الحوار السياسي الجدي وصولا الى ولوج باب التفاهم السياسي الجدي على كل شيء، عندها لن تكون مشكلة بالنسبة الى التباينات الاخرى، خصوصا انه ليس من يدعي لنفسه الكمال وضرورات القرار الواحد الموحد؟!
ولان الخشية متمثلة منذ وقت طويل بتمسك هذا الفريق برأيه وموقفه من سلاح حزب الله المقاوم، فإن تمسك الفريق الآخر برأيه وموقفه من السلاح المتفلت للحزب ولغيره، لا بد وان يتمثل بوجهة نظر قابلة للحوار وللتفاهم، بينما سيؤكد عكس الفريق الاول وعكس الفريق الثاني ان من الافضل صرف النظر عن المؤتمر وعن الحوار، بما في ذلك ترك الامور عالقة سياسيا وامنيا بانتظار اعجوبة ما، في زمن لم يعد احد ينتظر حصول اعاجيب (…).
وتجدر الاشارة هنا الى ان توافق الحد الادنى بين وزراء الاكثرية ووزراء الاقلية على معالجة مشكلة الاجور والرواتب، قد ينطبق على معالجات اخرى، بما فيها قضايا السلاح والامن، الامر الذي يكفل مسبقا حصر الاعتراض على نسبة الزيادة التي اقرها مجلس الوزراء في اضيق نطاق كلامي من النوع الذي يبعد الاعتراض وعدم التوافق عن الشارع وعن لغة الشارع؟!
ويقول احد وزراء قوى 14 آذار انه فوجىء بتفهم احد زملائه من قوى 8 آذار لمحاذير «الزيادات العشوائية على الرواتب والاجور» وسمعه وهو يقول ان من الافضل الاكتفاء بالزيادة التي اقرت من ان ترتفع ارقامها باتجاه التأثير السلبي على خزينة الدولة المنهكة وعلى ارقام المديونية العامة.
كما كان رأي مماثل لوزير من الاقلية ذكر فيه بأن الزيادات التقليدية على الاجور والرواتب في السابق، لم تكن لتمر من دون احداث ضرائب جديدة تكفل التوازن بين ما قد يخرج من مالية الدولة وبين ما قد يعود الى الخزينة!
وهيهات لو حصل تفاهم في حده الادنى بين النظرة التقليدية الى سلاح الدولة وبين النظرة الاستثنائية الى سلاح حزب الله، بما يكفل وضع استراتيجية دفاعية تبقي ما للدولة للدولة، كما تحافظ على فكرة ومنهجية مواجهة العدو الاسرائيلي في الزمان والمكان اللازمين، وعندها يستقيم الحوار وتسقط احتمالات خروج قطاره عن سكة الوطن؟!