#adsense

سليمان ينظّم مؤتمراً لـ”ربط” الحوار

حجم الخط

لأن "قطفَ" المصالحتين شمالاً وبقاعاً يختلف عن إنجاز تسوية.. ولأن المرحلة انتقالية وقلقة إقليمياً
سليمان ينظّم مؤتمراً لـ"ربط" الحوار

بدعوته طاولة الحوار الوطنيّ الى الإنعقاد الثلاثاء المقبل في 16 الجاري، يكون رئيس الجمهورية سليمان نفّذ المهمّة المنوطة به في البند الثالث من "إتفاق الدوحة"، أي يكون وضع الحوار على السكة وأطلقه.

البند الثالث في "اتفاق الدوحة"

وفي الخطاب الرئاسي في إفطار بعبدا أوّل من امس، "حدّد" سليمان الحضور إذ وجّه الدعوة الى الموقّعين على "اتفاق الدوحة"، وهو ربط "التوسيع" بالتوافق بين "الأعضاء التأسيسيين" للحوار، بما ان "الآلية الحاكمة" لمؤتمر الحوار هي التوافق حول أي عنوان من العناوين التي تطرح. وهكذا، فإن مؤتمر الحوار سيكون، من جلسته الاولى، أمام اختبار "الاستمرارية"، حيثُ انّ على مَن يطرح "التوسيع" أن يدرك إرتباطه بالتوافق وألا يطيح بالحوار من أصله بذريعة عدم التوافق على حصوله.

أمّا لجهة "جدول الأعمال"، ومع ان الرئيس سليمان لم يعلنه رسمياً، وفي انتظار معرفة ما إذا كان ثمّة دعوات مرفقة بجدول أعمال ستوزع على المشاركين، فإنّ خطابه أول من امس قاربَ التحديد للمضمون. فالدعوة الى اللقاء في القصر الجمهوري في 16 الجاري، قدّم لها الرئيس في خطابه بالحديث عن أخطار ثلاثة: التهديدات الاسرائيلية الدائمة والمستجدّة التي تنطوي على محاولة اسرائيل التنصّل من تنفيذ القرارات الدولية الملزمة وأبرزها القرار 1701، والارهاب الدولي، وحرمان اللاجئين الفلسطينيين حقّهم في العودة الى وطنهم حيث لا يمكن للبنانيين والفلسطينيين ان يرضخوا لأيّ أمر واقع تفرضه اسرائيل، في اشارة واضحة جداً الى رفض التوطين.

إقتراح الرئيس: الاستراتيجية الدفاعية

من خلال ما جاء في خطابه، يبدو واضحاً تماماً ان رئيس الجمهورية "يقترح" الحوار بشأن الأخطار الثلاثة وكيفية مواجهتها. ولدى التدقيق في "الاقتراح الرئاسيّ" يتبيّن ان ما "يقصده" هو ثلاثة عناوين متفرّعة عن عنوان رئيسيّ سبق أن جرى تحديده في "إتفاق الدوحة" أيّ الاستراتيجية الدفاعية للدولة بما يمكّن الدولة من ان تكون لها السيادة الحصرية على الارض في الجانبين العسكري والامني تحديداً. "كأن" الرئيس يتحدث عن إستراتيجية الدولة لمواجهة التهديدات الاسرائيلية ولمواجهة الارهاب ولمواجهة التوطين (لبنانياً وفلسطينياً في هذا المجال). وتذكيره بالقرار 1701 لا يُخفي إعتباره هذا القرار الدولي أساساً في مواجهة التهديدات الاسرائيلية.

قوّة دفع المصالحَتين شمالاً وبقاعاً

على أن اسئلةً عديدة طرحتها دعوة سليمان، أبرزها سؤالان: ماذا عن توقيت الدعوة؟ وماذا عن التوقعات من الحوار نفسه؟.
في الاجابة عن هذين السؤالين ـ المتلازمين ـ لا مفرّ من القول ان "المصالحة الطرابلسية" مساء الاثنين الماضي شكلت حافزاً مهماً لـ"اندفاع" الرئيس باتجاه عقد الحوار الآن. ولا شك ايضاً ان "المصالحة البقاعية" التي يتجه رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري الى تكريسها في اليومين المقبلين تشكل بدورها عاملاً محفزاً. بمعنى آخر إن مناخ المصالحة السائد حالياً في غير منطقة من لبنان يُعطي دفعاً لرئيس الجمهورية.
ولا شك ان سليمان الذي يقرأ بتأنٍ التقاطعات السياسية، يدرك ان المصالحتين الطرابلسية ثم البقاعية تحصلان في "لحظة" محددة جعلتهما ممكنتين بل جعلت من الممكن "قطفهما" او "إقتناصهما". ولا يخفى على رئيس الدولة ان "قطف المصالحتين" كان ممكناً في "لحظة حشرة" لدى النظام السوري، فرضت على هذا النظام تقديم "افادات حسن سلوك" تحت وطأة الخطوط الحمر والضغوط العربية والاقليمية والدولية.

"إقتناص" المصالحة.. ماذا عن التسوية؟

من هنا، فان الدعوة الرئاسية الى انعقاد الحوار في 16 الجاري تحاول هي ايضاً "قطف" مناخ المصالحتين السابقة واللاحقة.
بيدَ ان رئيس الجمهورية يعرف، في المقابل، ان المصالحتين ـ تلك المتحققة في طرابلس وتلك قيد التكريس في البقاع ـ لا تكفيان للاستدلال على وجود ظرف مؤات كي يكون مؤتمر الحوار منتجاً، اي قادراً على إنتاج تسوية لبنانية فعليّة.
فالمصالحتان اللتان ظهر انهما ممكنتان، "لعب" في صالحهما كون النظام السوري ـ مضطراً ـ يقدّم دفعات على الحساب انما بـ"تقنين". أما التسوية اللبنانية الفعلية فتحتاج الى عوامل أكبر.
غنيّ عن القول اذاً إنّ مؤتمر الحوار يستفيد من المصالحتين كي تتم الدعوة اليه وكي ينعقد، لكنه بحاجة الى ظروف مختلفة كي ينجح ويتوصّل الى نتائج.

المرحلة الانتقالية القلقة

ثمّة مرحلة إنتقالية إقليمية ـ دولية لا شيء محسوماً ومبتوتاً في اطارها بشكل نهائي. بعدَ ايام قليلة هناك الاستحقاق الاسرائيلي المتمثل في "التبديل" على مستوى قيادة الحزب الحاكم والائتلاف الحكومي. وفي غضون أيّام أيضاً، تنعقد الجولة الخامسة من المفاوضات السورية ـ الاسرائيلية غير المباشرة في تركيا، وهي المفاوضات التي أكد رئيس النظام السوري بشار الأسد استعداده لـ"رفعها" الى مرتبة "المفاوضات المباشرة". وفي هذه الفترة يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود على مسوى العلاقات الدولية ـ الايرانية عقوباتٍ على ايران أو حرباً ضدها.. أو تسوية معها. وفي هذه الفترة نفسها، ستتّضح العلاقة السوريّة ـ الايرانيّة ومآلاتها. وفيها سيتّضح أيّ إدارة أميركية ستمسك بزمام القرار في البيت الأبيض، وعلى أية سياسة. وأثناءها يصل التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري الى "مفترق".

إنّ المقصود قوله هنا هو إنّ مؤتمر الحوار الذي ينعقدَ بقوّة دفع "المناخ التصالحيّ"، ينعقد في المقابل في ظلّ مرحلة اقليميّة ـ دولية انتقالية وقلقة في آن. ومعنى انّ المرحلة إنتقاليّة وقلقة هو انّه ليس محسوماً بعد ما اذا كانت الأمور ذاهبة الى تسويات كبرى أو الى مواجهات كبرى.. أو الى تسويات في مكان ومواجهات في مكان آخر.
هذا الظرف الاقليمي ـ الدولي لا يسمح باستنتاج ان مؤتمر الحوار في بعبدا مرشّح في أمد منظور لأن يعطي نتائج. ولعلّ الرئيس سليمان، أكثر من غيره، يدرك هذه الحقيقة.

16 أيلول: الموعد بين قمّتين

ذلك انّ موعد 16 الجاري، يقعُ بينَ قمّتين. القمّة اللبنانيّة ­ السوريّة التي انعقدت نهاية آب الماضي، وقد لمسَ سليمان لمس اليد من نتائجها أنّ بشّار الأسد لم "يعطه" ما يمكنّه من الإنطلاقة القويّة، بل انّ الأسد حاولَ ­ خلال القمّة الرباعيّة ­ أن يغطّي تراجعاته "القوميّة" والضغوط عليه بـ"التمرجل" الشكلي على لبنان ورئيسه ما اضطرّ الأخير الى التوضيح ـ الردّ خلال جلسة مجلس الوزراء أوّل من أمس، وهو توضيحٌ أقلُّ ما يقال بشأنِه إنّه تضمّن "نتعة سياديّة" جديرة بالتنويه. أما القمّة الثانية، فاللبنانيّة ـ الأميركيّة نهاية أيلول الجاري. وهي ستحصل في فترة إنتقاليّة أميركيّة "مخصوصة" ولن يكون في قدرة سليمان التعرّف الى الاتجاهات "الأخيرة" للسياسة الأمريكية في مرحلة نهاية ولاية الرئيس جورج بوش، على أهميّة الزيارة في حدّ ذاتها وأهميّة الدعم الذي يمكن أن يتلقّاه.

"ربط الحوار" بدلاً من "ربط النزاع"

ما الإستنتاج من كلّ ذلك؟
لا جدالَ في ايجابيّة دعوة الرئيس الى إنعقاد طاولة الحوار في بعبدا. ولا جدالَ أيضاً في كونها تصبّ في خانة قدرٍ من التهدئة. لكن الأدقّ ـ تحليلاً وتقديراً ـ انّ الرئيس سليمان الذي يرغب في الذهاب الى واشنطن ونيويورك محصّناً بالتزامه تنفيذ "اتفاق الدوحة" وبرئاسته مؤتمر الحوار، يرغبُ في الوقت نفسه في أن يكون الاجتماع في القصر الجمهوري مؤتمراً لـ"ربط الحوار"، بدلاً من واقع "ربط النزاع" القائم حالياً، حتّى اذا ما برزت معطيات مؤاتية، كان "مكان الإستقبال" جاهزاً. وهذا الإستنتاج لا يقلّل البتّة من "وقع" الخطوة الرئاسيّة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل