#adsense

المصالحة في طرابلس انتصار على حروب الداخل والخارج

حجم الخط

المصالحة في طرابلس انتصار على حروب الداخل والخارج

لم يكن الكلام الكبير الذي جاء على لسان وزير الخارجية المصرية أحمد ابو الغيظ حول الوضع المتوتر في طرابلس، من قبل الصدفة، اضافة الى كلام وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير، والاتحاد الأوروبي، والتي سلطت الأضواء على تنامي الحالة "السلفية الأصولية" في طرابلس كمقدمة وفق التفكير الغربي، لانطلاق عمل "القاعدة" والقوى التكفيرية.

هذه المؤشرات استكملت بكلام الرئيس السوري بشار الأسد في القمة الرباعية التي عقدت في دمشق في بداية الاسبوعين المنصرمين، وفق تعبيره بأن الوضع في لبنان "سيبقى هشاً" طالما بقيت المجموعات السلفية المتطرفة في طرابلس.

كل العارفين في دقائق الأمور الطرابلسية، يعرفون ان المشكلة القائمة بين بعل محسن والتبانة، ليست وليدة اليوم، وليست نتاج الحضور (السلفي او الاصولي) المستجد، انما هي مشكلة (سياسية ـ مذهبية) طالما استعملت في السابق ضمن الحرب الدائرة على ارض لبنان، وبين منظمة التحرير الفلسطينية وسوريا، قبل اخراج ياسر عرفات من لبنان وآخراً من طرابلس.

لقد فرض الوجود العسكري السوري السابق في طرابلس، حالة استقرار، لكن على زغل، من دون ايجاد حل جذري لمشكلة التبانة ـ بعل محسن.
كما ان هول "مجزرة التبانة" والتي ارتكبت من قوى موالية لسوريا عام 1986، وسقوط المئات من ابناء المنطقة شهداء وجرحى ومفقودين ضاعف حجم المرارة، وأبقى هذا الجرح الكبير من دون معالجة لآثاره وذيوله، حتى انه منع الحديث عنه او التداول بحلول له.

ثم جاءت الأحداث الأليمة في 7 ايار 2008 في بيروت وبعدها في تعنايل وسعدنايل في البقاع، لتستكمل في طرابلس عبر اعادة تحريك الوضع القديم بين بعل محسن والتبانة.

يعتقد العديد من القوى الطرابلسية ان ما جرى في طرابلس منذ ثلاثة اشهر لا يمكن فصله عما يجري من خلاف سياسي في لبنان، نتيجة الاصطفاف في الساحة اللبنانية بين قوى 14 و8 آذار.

وتردّدت معلومات عن استقدام أسلحة وعناصر لقوى المعارضة الى الشمال وطرابلس وبعل محسن تحديداً، من اجل التحضير "لتأديب" المدينة ومعاقبتها على مواقفها الوطنية والاسلامية وخصوصاً تعاطفها مع اهالي بيروت ووقوفها الى جانب مظلومية الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وتصويتها الجارف في انتخابات 2005 لتحالف "المستقبل" بحيث ان طرابلس والشمال كان لهما الدور الأبرز في تشكل الأكثرية النيابية الحالية وقلب موازين القوى.

لا شك ان حجم القصف وقوته ابان الأحداث الماضية الذي طاول أحياء عدة من المدينة استفز كل الطرابلسيين ودفعهم الى الاعتراض والرد حتى من القوى خارج 14 آذار، والتيار الاسلامي الذي يتمتع بوجود تاريخي في المدينة هو احد مكونات المدينة التي هبت للدفاع عن احيائها رغم امكانياتها المتواضعة، مما ادى الى سقوط العشرات من ابنائها، ونزوح ما يقارب 1350 عائلة من مناطق الاشتباكات وتدمير المئات من المنازل والمحلات وحرقها.

مع ضخ الكثير من التحليلات الاعلامية حول انفلات الوضع في طرابلس خصوصاً مع تردد الجيش في الحسم العسكري، وسعي البعض الى التسلح والكلام الاعلامي الكبير حول "الجهاد والمقاومة" الذي أطلق من بعض الرموز الاسلامية، وكأن طرابلس قد اصبحت خارج السيطرة الأمنية، وأصبحت عاصمة للتطرف "وقندهار" لبنان حسب تعابير احد السياسيين.

في المقابل، تردد انه قد جرت اتصالات هاتفية مباشرة بين الرئيسين ميشال سليمان وبشار الأسد عندما احتدمت الامور في طرابلس تحت ذريعة ان الرئيس السوري ملزم بحماية "الأقلية العلوية" من "الأكثرية السنية".

وأعقب ذلك الكلام في القمة الرباعية الذي جاء من قبيل استدراج عروض بأن سوريا وحدها قادرة على اعادة الامساك بالامن ومنع حالات التطرف والعنف و"القاعدة" من ان يكون لها موقع على البحر المتوسط في طرابلس، وهذا الطرح يروق للنظام العربي والعقل الأوروبي.

لذلك كانت سرعة الحركة التي قام بها النائب سعد الحريري بحيث وضع كل ثقله السياسي والمعنوي في سبيل اتمام المصالحة الطرابلسية وسحب فتائل التفجير عبر لقاءات واسعة ومكثفة مع فاعليات المدينة وقواها السياسية المختلفة.

ففي الاجتماع الموسع تم تشكيل لجنة سداسية وضعت وثيقة التفاهم التي جال بها المفتي مالك الشعار على الرئيس عمر كرامي و"الحزب العربي الديموقراطي" في بعل محسن، أعقبتها لقاءات منفصلة مع النائب الحريري الذي تخطى كل اعتبارات الامن والسياسة في سبيل الوصول الى النهاية السعيدة. ويظهر من الحدث السياسي الطرابلسي الدلالات والآثار التالية:

1ـ ان النائب سعد الحريري استطاع طيلة الايام الشمالية الثلاث، ان يظهر بموقع الراعي الاول لعملية المصالحة، والممسك بالقرار الاسلامي السني مباشرة، وعبر اصدقائه، وحلفائه الاسلاميين.

2 ـ تمكن الحريري من تسجيل اختراق سياسي نوعي على مستوى الانفتاح والتفاهم مع قوى المعارضة، سواء رئيس "اللقاء الوطني" عمر كرامي او النائب السابق علي عيد، المحسوبين ضمن خانة اصدقاء سوريا.

3 ـ أبطل مفعول التضخيم الاعلامي والسياسي الذي كان يحاول تظهير صورة الحالة الاسلامية في الشمال كحالة تطرف وعنف و"أصولية"، من خلال اجماع الساحة الاسلامية على مرجعية الدولة، ودور الجيش في تثبيت السلم الاهلي، وحرصها على الوحدة الوطنية، والعيش المشترك.

4 ـ فتح الباب لقيام مصالحة وطنية شاملة عبر موجة التأييد الكبيرة للمصالحة من الامين العام لـ"حزب الله" حسن نصر الله والرئيس نبيه بري ومختلف القوى السياسية المحلية والعربية والدولية.

5 ـ مواكبة الدولة بكل أجهزتها الامنية والخدماتية، عبر رعاية الرئيس فؤاد السنيورة للمصالحة رسمياً، والوعد بإطلاق اكبر عملية تنمية وإعمار لطرابلس والشمال تستطيع معالجة الوجه الآخر للمشكلة عبر اعادة الاعمار وبلسمة الجراح.

6ـ قطع الطريق على كل المصطادين بالماء العكر، ورفع الغطاء عن اي خلل امني بإشاعته اجواء المصالحة الحقيقية والطمأنينة تمهيداً لاعادة النازحين الى بيوتهم.

هل نستطيع القول ان المصالحة الطرابلسية أنهت حروب الداخل الشمالي بين يدي الانتخابات النيابية القادمة، وأسست لقيام تحالف سياسي انتخابي جديد تشهده مدينة طرابلس؟ ربما!.

لكن الأكيد هو ان مبادرة النائب الحريري استطاعت انهاء حرب "المخطط الاسود" على المدينة، الذي كان يسعى الى استخدامها في سياق صراع المحاور الاقليمية بين يدي النزاع الدائر في لبنان، وذلك عبر استشعار الخطر الكبير من كل فاعليات المدينة وتجاوبهم مع المصالحة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل