#adsense

النظام السوري وقصة “المقاولة” بالأصولية في لبنان

حجم الخط

حُلم الأسد بين يوم طرابلس في السرايا وزيارة الحريري الشمالية
النظام السوري وقصة "المقاولة" بالأصولية في لبنان

قبل أيام، حدّد الرئيس السوري بشار الأسد سبب عدم الاستقرار في شمال لبنان، وتحديداً في مدينة طرابلس، بأنه يعود الى ما سمّاه التطرف السلفي "الذي تدعمه دول". دعا الى القضاء عليه وإلا فسيبقى الوضع في البلاد "هشاً". هذه هي خلاصات الموقف/ الحلم السوري من الشأن اللبناني خلال القمة السورية ـ الفرنسية التي عقدت في 4 أيلول الجاري في دمشق والقمة الرباعية التي تلتها وجمعت الى سوريا وفرنسا تركيا وقطر.

إذاً، في دخول غير جديد على الوضع في لبنان من بوابة فزّاعة الأصولية الإسلامية التي برع النظام السوري في استخدامها تكراراً، وفي ذروة الإعداد اللبناني الداخلي لمعالجة الجرح النازف في الشمال الذي كان بدأ باليوم الطرابلسي الطويل في السرايا الكبيرة قبل زيارة رئيس "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري الى المنطقة وإشرافه المباشر على عملية المصالحة وإطلاق صفحة جديدة من العلاقات المبنية على المعالجات الاجتماعية والسياسية والإنمائية، يحمّل النظام السوري مسؤولية الاضطراب الأمني للقوى السلفية ويدعو الجيش اللبناني الى ضربه مع ما يحمله هذا الطرح من احتمالات كارثية على الوضع في الشمال خصوصاً ولبنان عموماً.

تاريخٌ يُعيد نفسه

في الأساس كانت المخابرات السورية من أولى ـ إن لم تكن أولى ـ الجهات التي تنبهت لظاهرة القلق الشبابي السني الكامن في عاصمة ومناطق وقرى شمال لبنان في تسعينات القرن الماضي، فحاولت توظيفه والإفادة منه في "مقاولاتها" مع المجتمعين العربي والدولي، الى جانب استخدامه في تناقضات الشأن اللبناني الداخلي.

لكن وقبل ذلك بسنوات، أي في أواسط الثمانينات كان الرئيس الراحل حافظ الأسد قد عمد الى توجيه ضربة مزدوجة للإسلام السياسي السني، بما فيه السياسيين المدنيين أيضاً، على خطين متوازيين في كل من طرابلس وبيروت. في الأولى عمد الى تصفية حركة "التوحيد الإسلامي" بزعامة الراحل الشيخ سعيد شعبان التي كانت مسيطرة على المدينة التي حولتها "إمارة إسلامية". أما في الثانية فعبر الاستيلاء على العاصمة ودخولها عسكرياً وإذلالها بحجة القضاء على اتفاق 17 أيار!

لاحقاً، طوّر الرئيس الأسد الأب عملية الإلغاء وضرب العاصمة، فبالتوازي مع سحق مدينة طرابلس، جرت حرب المخيمات في بيروت، وانتهى المشهد المأسوي في طرابلس بالاستيلاء على المدينة والتنكيل بالمئات من شبابها قتلاً واعتقالاً وإخفاء، أما الراحل الشيخ شعبان فجرى التغاضي عنه بوساطة إيرانية لدى الرئيس السوري. أما في بيروت وبعد دخول القوات السورية الى المدينة بحجة "ضبط الفوضى" فقد استحال الأمر الى جريمة قتل المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد وإرغام كبار السياسيين السُنة المدنيين على الذهاب الى المنفى الاختياري.

لاحقاً، وتحت ضغوط النزاع الداخلي اللبناني، والنزاع السوري ـ الفلسطيني انتشرت هيئات وجميعات وتجمعات سنية بعضها بدا معنياً، حصراً، بمسائل الإيمان والكفر وطرائق إصلاح الحياة، أما بعضها الآخر فتفتح سياسياً ليس على أساس القاعدة التقليدية، قضية فلسطين، بل على الانشداد الى الصراع في إفغانستان وفوز الإسلاميين في جهادهم ضد القوات السوفياتية ثم بالانشداد الى النزاعات في البوسنة والهرسك في يوغسلافيا أو الشيشان. انشدادٌ تردد صداه في شمال لبنان مرة أخرى عبر ما عُرف باسم "مجموعة البلمند" التي كانت تحضر لأعمال عنف وتفجيرات على خلفية الأحداث في يوغسلافيا.

في التسعينات، وعلى قاعدة مناكفة مؤسسة دار الفتوى، كان السوريون قد استتبعوا جماعة "الأحباش" الذين ظلوا حتى خروج القوات السورية من لبنان في العام 2005 من أكبر المستفيدين (سنياً) من الوجود السوري. لكن بعد منتصف التسعينات وبعد اغتيال رئيس جمعية "المشاريع الخيرية الإسلامية" الإطار الرسمي للأحباش الشيخ نزار الحلبي على أيدي مجموعة سلفية، بدأ السوريون الإفادة من التخثر الناجم عن ظهور مجموعات إسلامية سنية متشددة؛ بين من يريد الحياة والنمط الإسلامي وحسب، ومن يريد الجهاد لتحرير المسلمين في العالم، حتى ولو بدماء الداخل الاجتماعي. وبدا في هذا الوقت الدور المزدوج الذي تلعبه بعض المخيمات الفلسطينية كملجأ للمجموعات الأصولية والمتشددة ومن بين هؤلاء قتلة القضاة الأربعة في مدينة صيدا.

وعشية العام 2000 انفجر اشتباك آخر في جرود منطقة الضنية في شمال لبنان، تورط فيه عدد من الشبان، أثبتت الوقائع أن لا علاقة لهم بتنظم "القاعدة" بل هم جيل آخر من الشباب القلق الذي لم يهتم أحد باستيعابه وتبديد هواجسه وإزالة الحاجز النفسي بينه وبين دفء المواطنية ومشروع الدولة، فأمكن لأجهزة استخباراتية اختراقهم بسهولة وتوجيههم نحو ما جرى وكان.

وسط هذه الأجواء ظهرت في المخيمات الفلسطينية "عصبة الأنصار" وتوابعها مما هو حقيقي أو وهمي، وكلها مجموعات لجأت بضغط من الملاحقات الأمنية أو بعد عمليات عنف الى مخيم عين الحلوة وهناك ـ كما في بعض المخيمات الأخرى ـ حظيت برعاية سورية مباشرة أو برعاية الفصائل الموالية لدمشق.

4 وظائف قديمة ـ جديدة
لماذا اهتم السوريون برعاية هؤلاء؟

بعد أحداث 11 أيلول 2001 وقبل احتلال العراق في العام 2003، كان لهذه التنظيمات المسلحة وللسوريين منها أربع وظائف: الضغط على المملكة العربية السعودية في أمنها الداخلي واستقرارها وصورتها أمام العالم، وثانياً ابتزاز الرئيس الشهيد رفيق الحريري في اعتداله ووسطيته وزعامته الوطنية والعربية والإسلامية، وإحداث توازن مع التنظيمات الفلسطينية الرئيسة ـ أي الموازنة بين الحركات الفلسطينية ذات الخطاب الإسلامي والأخرى ذات الخطاب الوطني والقومي للإفادة من صعود الأولى المتسارع ـ، ثالثاً، ورابعاً إيجاد نظير سني لـ"حزب الله" الشيعي في قتال إسرائيل.
لكن هذه الصورة انقلبت بعد العام 2003، أي بعد دخول القوات الأميركية الى العراق؛ فالنظام السوري راح يستقبل ويقدم تسهيلات لمئات الشبان السُنة في سوريا ولبنان ودول الخليج وشمال افريقيا والمغرب العربي لدخول أراضيه تمهيداً للانتقال الى العراق بهدف "الجهاد" ضد قوات الاحتلال. كل ذلك تحت سمع الأجهزة الأمنية السورية وبصرها، وهكذا قاتل هؤلاء القوات الأميركية حتى العام 2006، فيما تشرّب بعضهم في العراق أفكار أبي مصعب الزرقاوي وحروبه المذهبية. لكن عندما اشتدت الشكوى من التصرف السوري، وازاد الضغط من جانب الأميركيين والدول العربية والعراق، انصرفت الأجهزة السورية لتنظم من تبقى من شباب مقاتل عندها في أطر وتوليفات منها "فتح الإسلام" و"جند الشام"، في حين جرى بيع آخرين للدول التي جاءوا منها في سياق مقاولة هذا النظام بالملف الأصولي أيضاً وأيضاً.

بعد حرب تموز 2006، بدا أن السوريين ما عادوا وحدهم يريدون اللعب في الجو السني، السياسي والديني، فدخل الى هذا الجو ـ وبقوة ـ الإيرانيون ومعهم "حزب الله" فظهرت توليفات سنية بتمويل إيراني وحزب إللهي عملوا من خلالها على اختراق الساحة السُنية، ففيما انقسمت "حركة التوحيد" جناحين ظهرت "جبهة العمل الإسلامي" الى عدد من الشخصيات الإسلامية الدائرة في الفلك عينه، ثم ما لبثت أن اندلعت حرب نهر البارد إثر اعتداء "فتح الإسلام" على الجيش اللبناني، وكان اللافت هو ذلك الانزعاج من إصرار الجيش ـ بدعم سياسي من قوى الأكثرية وغطاء شعبي إسلامي أمّنه "تيار المستقبل" في الشمال تحديداً ـ على مواجهة فتنة شاكر العبسي ومن ورائه سوريا، متناغماً مع اعتبار الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله المخيم "خطاً أحمر".. وإن لم يحل ذلك دون حسم الموقف لصالح الشرعية والدولة لكن مع ثمن باهظ من دماء الأبرياء المدنيين والعسكريين.

وما كادت "فتنة العبسي" تخبو حتى أدخل حلفاء سوريا لبنان في دوامة من العنف الدراماتيكي الذي تلبّس تارة شعار السياسة فيما تمظهر تارة أخرى بصبغة مذهبية جليّة، وكانت أحداث 25 و27 كانون الثاني 2007، قبل أن يُرمى البلد في فتنة 7¬8 أيار الفائت التي ضربت بيروت والبقاع قبل أن تحط رحالها في طرابلس، بين باب التبانة وجبل محسن عنفاً وإرهاباً خلّف عشرات الضحايا ومئات الجرحى ومثلها بيوتاً محروقة وعائلات منكوبة، أما في عكار فكان من آخر فصول الفتنة قتل إمام مسجد سني، الشيخ عز الدين قاسم، في 31 آب الفائت بدم بارد في مسعى لتفجير الوضع في هذه المنطقة المتاخمة للحدود مع سوريا.

وقبل هذا وبعده سجّلت محاولة اختراق أخرى، تمثّلت بورقة تفاهم هشّة بين "حزب الله" وجمعية سلفية، كان مداها أن عاشت أقل من أربع وعشرين ساعة قبل أن تنتقل الى رحمته تعالى، لكن أفق الاختراق لا يزال قائماً على قاعدة الوظائف الأربع الآنفة الذكر، ومنها ضرب علاقة السُنة بالدولة والتشويش على زعامتهم الوطنية والسياسية.

كلام الأسد: لتسمع القاهرة والرياض

هو التاريخ يعيد نفسه، فكلام الرئيس الأسد الآنف أكد أن النظام في سوريا ما أحدث قطيعة بين سياساته قبل الخروج من لبنان وسياساته الحالية: السيطرة أو هزّ الاستقرار، الوصاية أو الترهيب، التسليم بالإمرة أو إثارة الاضطرابات. إن الهدف من إثارة الاضطرابات في شمال لبنان هو، بحسب البعض، بأفق إنهاء القطيعة بين السعودية ومصر من جهة وسوريا من جهة أخرى ودفعهما الى الانفتاح على نظام دمشق، لكن المعلوم أن هذين البلدين العربيين الكبيرين إنما قطعا الاتصالات بالنظام السوري بسبب تدخلاته في لبنان ورهاناته بلبنان ومقاولاته على حساب لبنان.

من نافل القول إن زيارة النائب الحريري الى الشمال والتي أثمرت مصالحة تاريخية، قد أطلقت مساراً لصون الوطن وحماية السلم الأهلي والعيش المشترك يجب رعايته وصونه وتطويره وعدم الاكتفاء بالتنويه والإشادة به، من دون أن يلغي ذلك مسؤليات كبرى على الجهات السنية السياسية والدينية والحركية الأخرى لمنع دخول النظام السوري أو غيره الى ساحتهم الداخلية للتخريب عليهم والتشويش على صورتهم ووطنيتهم واعتدالهم. فمسؤولية الاستضعاف والتسيّب والاستغلال والابتزاز قد تكون في جزء منها على الجهات المتربصة بلبنان ما بعد جريمة 14 شباط الإرهابية، لكن المسؤولية الأولى والأخيرة تقع على عاتق الجهات السُنية الرسمية والمدنية لتفهم ظواهر الراديكالية وتستوعبها وتحول دون استغلالها للشرذمة والابتزاز، كل ذلك بمنطق رحابة الدين ودفء الوطن والعمل الجاد والدؤوب للتنمية والمشاركة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل