فاجأ الجميع بدعوته الى الحوار ومرتاح للأصداء الايجابية… وقهوجي وفاضل "من نخبة ضباط لبنان"
سليمان ل"المستقبل": كلامي في مجلس الوزراء أملاه واجبي
عندما تسأل رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان عن أحوال لبنان، يجيبك بواقعية: "أفضل، ولكن أقل من المرتجى كثيراً".
واقعية هذا الجواب لا تعني أن رئيس البلاد مقتنع بإدارة الأزمة وبهدر وقته على ترقيع الثوب الرث. العكس هو الصحيح، فالشكوى من الحاضر تبدو بمثابة المنصة التي يتوسّلها للقفز إلى المستقبل المرجو، وهو يقول: "كونوا واثقين بأنّ لبنان سيكون بألف خير طالما أن هذا القصر يتحرّك. وأنا أعدكم بأننا لن نهدأ ولن نستكين، وما أؤمن به على المستوى الشخصي أؤمن به على المستوى العام، فأنا لا أرهن يومي لأحلام غدي، بل أترك للغد أن يأتي بثماره وأنكب على استثمار يومي بإنجاز ما عليّ مهما كلّفني هذا الجهد من تضحيات. وبهذا المعنى، فأنا لا أقف مكتوف اليد بانتظار حلول المأمول به إلى لبنان، بل أبذل كل جهد مطلوب في التنفيذ وفي التخطيط وفي التقرير، فأفي يوم بلادي حقه، حتى أطمئن إلى أن الغد سوف يمنحها ما تستحق من استقرار وطمأنينة ورخاء وحرية وسيادة".
وبالفعل، إنّ من يتسنّى له الاطلاع على ما يجري في قصر بعبدا يُدرك تماماً ما يعنيه الرئيس سليمان، فكما نافورة الماء التي تتوسط الباحة المؤدية إلى مدخل "قصر الشعب"، كذلك هي حال العاملين في مؤسسة الرئاسة، فهم يعملون بلا توقف، وبعضهم يعترف بأن "الطاقة" بدأت تنفد من أجسادهم. لا تستطيع أن تُكثر من التشكيك، لأن الوجه الشاحب، والعيون التعبة، يقطعان عليك الطريق.
في الوقت الحاضر يعمل الرئيس سليمان على مجموعة خطوط يُعطيها أولوية متساوية، وتالياً فهي تتطلب جهوداً متساوية: استئناف الحوار الوطني يوم الثلاثاء المقبل، ترؤس وفد لبنان إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك، زيارة واشنطن تلبية لدعوة موجهة من الرئيس الأميركي جورج بوش، والانكباب على ترجمة ما تمّ الاتفاق عليه خلال زيارته الرسمية إلى سوريا.
ويُسجّل الرئيس سليمان ارتياحه للأصداء الإيجابية التي وردت إليه بعد تحديده موعد الجلسة الأولى للحوار الوطني، ويُقر بأنه فاجأ الجميع بما أعلنه في الكلمة التي ألقاها في حفل الإفطار السنوي، ولكنه في المقابل يؤكد أنّه أرسل إشارات توحي بأنّ طاولة الحوار باتت وشيكة.
الإشارات التي يقصدها الرئيس سليمان، يوجزها بثلاث أساسية. الأولى إعادة الاعتبار إلى حفل الإفطار السنوي بعد غيبوبة دامت تسع سنوات، ومعها تمّ تغييب دور رائد تلعبه رئاسة الجمهورية في جمع اللبنانيين من مختلف الديانات والطوائف والمذاهب والمشارب والتوجهات، مع بعضهم البعض، والثانية توجيه دعوة للمشاركة في الإفطار إلى رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع على الرغم من أنّ رؤساء الأحزاب اللبنانية غير مشمولين بالدعوة إلى هذا الإفطار السنوي، أمّا الثالثة فتجميع من حضر من أركان الحوار ممن لا يفرض البروتوكول جلوسهم إلى الطاولة الرئيسية بعضهم مع بعضهم الآخر.
ويؤكد رئيس الجمهورية أن أحداً لم يكن مطلعاً على الموعد الذي حدّده، بما في ذلك أقرب المقربين إليه، وهو يروي لزواره: هذه الفقرة أضفتها بخط يدي على الكلمة.
ويعرف الرئيس سليمان أنّ كل القوى السياسية في البلد كانت قد بدأت "تيأس" من إمكان انعقاد طاولة الحوار في المدى المنظور، وهذا ما تجلّى في غياب التصاريح "حمّالة الشروط"، من جهة ووفرة الأحاديث الملحة على انطلاق الحوار من جهة أخرى، ولكنّه يلفت إلى أن ما غاب عن ذهن كثيرين بالنسبة لتحديد الموعد، هو تفصيل في غاية الدقة والمحورية، إذ كيف يُعقل أن يترأس رئيس الجمهورية حواراً وطنياً بجدول أعمال تتقدمه الاستراتيجية الدفاعية من دون أن يكون هناك قائد للجيش ومعه مدير للمخابرات.
ويؤكد رئيس الجمهورية أنه اختار يوم الثلاثاء المقبل موعداً لمؤتمر الحوار الوطني لأنه يريد أن يذهب إلى نيويورك قوياً، حيث تعرف هيئة الأمم المتحدة أنّ لبنان وطن يستحق الحياة، لأن فيه مؤسسات قادرة على تنفيذ ما يتم عقده من اتفاقيات وما يتم قطعه من وعود.
وعلى قاعدة أن الشيء بالشيء يُذكر، يُبدي الرئيس سليمان ارتياحه لاختيار العماد جان قهوجي لمنصب قائد الجيش والعميد إدمون فاضل لمديرية المخابرات، ويجزم بأنهما من نخبة ضباط لبنان وأكثرهم خبرة واستقامة وتوازناً.
يهتم رئيس الجمهورية للملاحظات التي وردته من أطراف سياسية على كل منهما، ولكنّه يُراهن على أن أصحاب هذه المآخذ سوف يتراجعون لاحقاً عنها عندما يتلمسون أداءهما، وليكن الجميع على ثقة ـ والكلام للمنتقل حديثاً من المبنى القائم في اليرزة الذي لا يتعب من التحديق بالقصر القائم في بعبدا ـ بأنّني لو تلمستُ لدى أيّ منهما ضغينة على أيّ طرف بفعل التجربة المرّة التي مرّ بها لبنان، لما كنتُ قد وافقتُ عليه.
ولأن المعلومات الحديثة توحي بأنّ هذا الكلام يدور حول الصفحة الداكنة التي كتبها في يوم من أيام الحرب السوداء كل من جعجع قائد القوات اللبنانية في العام 1990 التي سيطرت على ثكنة صربا حيث كان رئيس فرع المخابرات في كسروان في العام نفسه، فإن علامة الاستفهام تطرح نفسها، فيجيب الرئيس مبتسماً: الدكتور جعجع من صانعي يوم الرابع عشر من آذار الذي قيل إنه طوى الماضي من أجل لبنان، والعميد الخلوق الذي أبعدته القيادة التي كانت قبلي عن الصورة لأنّها لم تكن توده هو من حرّاس ذاك اليوم الكبير.
وفيما يترك رئيس الجمهورية للأيام أن تُقدّم أدلتها، يُشدد على أنّ ما هو أهم من الملاحظات والمآخذ النابعة من ماض نريده للعبرة وليس لأسر الحاضر، يبقى في لبنانية خيار كل من قهوجي وفاضل.
وهو يبتسم موافقاً على الرواية التي يُردّدها عدد من الوزراء عما صارح به مجلس الوزراء عندما دار النقاش حول ترشيح العميد قهوجي لمنصب العماد قائد الجيش.
في تلك الجلسة، برز تحفظ خمسة وزراء (اثنان اشتراكيان، اثنان قوات لبنانية والمستقل ابراهيم شمس الدين)، فتمنّى الرئيس السنيورة إعادة النظر في توجهاتهم لأنه ليس "مستساغاً" أن يتم تعيين قائد الجيش بلا إجماع، ولكن الرئيس سليمان أخذ الكلام قائلاً: يا دولة الرئيس، دعني أذكركم بأنّها المرة الأولى التي يُعيّن فيها اللبنانيون قائداً للجيش، فأنا ومن كان قبلي لم يتمّ تعييننا بقرار لبناني، بل تمّ اختيارنا من الخارج ومجلس الوزراء وافق بالإجماع، فلا ضير إن اختلفت الصورة الآن، بحيث نختار نحن اللبنانيين قائد الجيش ولا يحظى بالإجماع".
يُلاحظ رئيس الجمهورية الدهشة التي تبرز في المقل، وهو يؤكد صحة هذه الرواية، ويقول: "لماذا تريدونني أن أختبئ خلف اصبعي، فالشمس طالعة والناس قاشعة".
وبديبلوماسية لافتة، يستدرك رئيس الجمهورية أن مسألة الاختيار من الخارج لا يُمكن حصرها بسوريا بل هي تشمل مع استذكار المراحل، أكثر من دولة، ويُقفل الحديث حول هذا الموضوع ممازحاً: "عندما اختاروني، فعلوا الصواب، أليس كذلك؟".
ومع هذه الابتسامة النابعة من القلب، تنتقل مع الرئيس سليمان إلى الكلمة التي استهلّ بها جلسة مجلس الوزراء أوّل من أمس، فيُشير إلى أنها كانت مكاشفة بينه وبين مجلس الوزراء ومن خلاله مع الشعب اللبناني، عمّا دار من حديث بينه وبين الرئيس السوري بشار الأسد، خصوصاً بعدما أشار الأسد إلى جوانب منها، بأسلوبه، في ختام القمة الرباعية في دمشق.
يرفض رئيس الجمهورية أن يجري تحميل موقفه صورة المواجهة غير المباشرة مع نظيره السوري، فهو ليس بهذا الوارد على الإطلاق، لأن صداقة تجمعني مع الرجل، ولكن جُل ما قمتُ به يتصل بواجباتي تجاه الحكومة التي تشاركني في القرار بالمواضيع المطروحة، سواء بما يتصل بالمفاوضات مع إسرائيل أو ما يتصل بتحريك ألوية جيشنا وهدفه، كما تجاه الشعب اللبناني الذي لا يحق لي أن أفرط بما يُنادي به من علاقات ندّية بيننا وبين سوريا.
ويقول الرئيس سليمان: "في مصارحتي، أنا لم أقل إلا ما حصل في القمة اللبنانية ـ السورية، بفعل اختلاف طبيعة النظام بين البلدين، فالرئيس الأسد يُقرر ويُنفّذ، اما في لبنان فإن اقتنعت فعليّ واجب إقناع شركائي في القرار، سواء رئيس الحكومة أم مجلس الوزراء، وأنا فعلاً أثرتُ الموضوع الأمني في سوريا فسألت الرئيس الأسد عن اغتيال القيادي في "حزب الله" عماد مغنية فأجاب أن إسرائيل ومخابرات دولية تقف وراءه، وسألته عن العميد محمد سليمان فقال إن من يقف وراء اغتياله هم هؤلاء الإرهابيون أنفسهم الذين يتحركون لديكم".
وهنا يُمرّر رئيس الجمهورية طلباً واضحاً إلى فريقي 8 و14 آذار: "أنا أريد أن أعمل ما فيه خير لبنان، ولذلك فلا تستعملوني سلاحاً في صراعاتكم المتبادلة، فكل من أراد أن يواجه الآخر عليه أن يُدرك أنني لن أكون مرتاحاً مطلقاً لمحاولات التستر بي".
ومن هذا الطلب الذي لا يخلو من النصح، ننتقل مع رئيس الجمهورية إلى موضوع العريضة المقدمة من نواب الأكثرية إليه للمبادرة إلى طلب تعديل الدستور، بحيث يخضع التصويت على موضوع التوطين لنسبة الإجماع بدل الثلثين، فيُجدد ارتياحه للخلفية التي حرّكت هذه العريضة لأنها تؤكد إجماع اللبنانيين على رفض التوطين من جهة، ولأنها تسحب هذه الثابتة من الاستعمال السياسي من جهة أخرى، ولكنه يشير إلى أنّه درس هذه المسألة دستورياً مع ثلاث شخصيات وهم الرئيس حسين الحسيني والنائبان السابقان حسن الرفاعي ومخايل الضاهر الذين أجمعوا على أنّ لا حاجة إلى تعديل الدستور، وإيجاد استثناء لا يستسيغه الانتظام العام، وإذا كان هناك خوف من التذاكي لتمرير الدستور، فإنه لا حدود أصلاً للتذاكي، وفي هذه الحالة يُمكن للبعض أن يخرج علينا بنظرية تعليق هذه المادة الدستورية.
وفي هذا الإطار يشير رئيس الجمهورية إلى أنه مقتنع بما قاله له الرئيس الحسيني من أن اتفاق الطائف أصبح وثيقة من وثائق الأمم المتحدة الملزمة لأن مجلس الأمن أصدر بياناً رئاسياً أعلن فيه تأييده له، وهذا يعني أن مجلس الأمن لا يستطيع غداً ان يطلب منّا التوطين لأنه يكون بذلك يُخالف وثيقة أساسية من وثائقه التي يسترشد بها في طريقة تعامله مع لبنان.