#adsense

اعتراض المصالحات وروحية الدوحة

حجم الخط

اعتراض المصالحات وروحية الدوحة

هناك من لا تروق له المصالحات في لبنان. فهي تقض مضجعه، وتؤرقه وتضرب على أعصابه وتوتره وتربكه ثم تجعل النار تتطاير من عينيه، لكنه لا يلبث ان يسترخي في مقعده ويلجأ الى أسلوب سهل يقضي بالرد عليها عبر الرسائل الدموية، كالاغتيال وافتعال الصدامات التي يأمل ان تقود إلى إفشال المصالحات، أو على الأقل الى تجميدها وتقليص فعاليتها في تأمين بعض الاستقرار النسبي. ثم يترقب كيف يمكنه ان يحصد النتائج، وما إذا فهم المعنيون الرسالة وقرروا الانصياع لها أو لا، ليبنى على الشيء مقتضاه.

وإذا كان لبنان دخل مرحلة فائقة الخطورة منذ اندلاع الصدامات الدموية في 7 أيار (مايو) الماضي في بيروت والجبل والشمال، ثم في طرابلس والبقاع، نقلت أزمته من مرحلة إلى أخرى أكثر صعوبة، لأنها أطلقت العنان لفتنة يصعب ضبطها، فإن المصالحات التي أخذت لغتها تطغى شيئاً فشيئاً لدى أوساط سياسية واسعة، تشكل سلوكاً يعترض الفتنة ويخفض القدرة على استثمارها في الإبقاء على لبنان ساحة مفتوحة لاستثمارها في شتى الاتجاهات ووفقاً للظروف.

ومع ان اغتيال القيادي في الحزب الديموقراطي اللبناني الذي يتزعمه الأمير طلال أرسلان في الجبل يمكن ان يُفهم على انه رسالة إليه وإلى رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط وضد تقاربهما منذ أحداث أيار الماضي، فإن الظروف المحيطة بالجريمة تجعل أبعادها ومراميها أبعد من رقعة الجبل والعلاقة الجنبلاطية – الأرسلانية. وقد يجد المتابعون الكثير من الأحداث والمصالحات الموضعية التي حصلت وتحصل، في الرقعة الصغيرة التي تنتشر عليها الطائفة الدرزية، لكن المناخ السياسي العام الذي وقعت الجريمة في إطاره أكثر اتساعاً بالتأكيد. فهي تأتي بعد إطلاق قطار مصالحة طرابلس الذي قاده زعيم تيار «المستقبل» النائب سعد الحريري وبعد تراكم الدعوات والجهود على رغم العقبات المستمرة، للقاء تيار «المستقبل» من جهة و «حزب الله» وحركة «أمل» من جهة ثانية. كما أنها تأتي إثر تسريع رئيس الجمهورية ميشال سليمان الدعوة الى التئام طاولة الحوار الوطني، بعد تمهل في الخطوة…

يسحب منطق المصالحة البساط تدريجاً من تحت أرجل القوى الخارجية التي تقتضي أهدافها إبقاء لبنان ساحة للاقتتال والتدخلات على أنواعها، وتتطلب استمرار جاهزيته للاستخدام في أي وقت سواء للمقايضة أو للتفجير… في ظل الأوضاع الإقليمية المتأرجحة بين التفاوض والمواجهة. وإذا كانت المصالحات سلوكاً اعتراضياً على إبقاء لبنان ساحة مفتوحة، فإن الاغتيالات واستخدام الوسائل الدموية هي إجراءات اعتراضية لهذا السلوك الاعتراضي. وهو من هذه الزاوية يشبه محاولات تغيير موازين القوى السياسية بالاغتيال والعنف، والتي بدأت بمحاولة اغتيال الوزير السابق مروان حمادة في 1 تشرين الأول (اكتوبر) عام 2004 واستمرت طيلة الأعوام الثلاثة الماضية وأودت بالرئيس الشهيد رفيق الحريري.

شكل اتفاق الدوحة تسوية موقتة لأنها تطلق مساراً يقوم على حظر اللجوء الى العنف واستخدام السلاح، في انتظار التسوية الأكثر ديمومة التي أوصى بالوصول إليها عبر مؤتمر الحوار. وشكل انتخاب الرئيس ميشال سليمان اختزالاً لتلك التسوية المبتغاة. وأمام الالتباس الذي رافقه، بين وجوب إخضاعه لميزان القوى العسكري الذي حتّم التدخل العربي للتوصل الى هذه التسوية وبين ما نصت عليه «ورقة الفينيسيا» بإعادة الوضع الى ما كان عليه، أطلقت المصالحات آلية لتطبيقه بعد تأخر في ذلك، ولعبت دول عربية أبرزها السعودية ومصر، عبر زيارتي السفير السعودي عبدالعزيز خوجة طرابلس ووزير خارجية مصر أحمد ابو الغيط بيروت، دوراً ضاغطاً من اجل تسريع المصالحة كخطوة سياسية تستظل بها الخطوات الأمنية، منعاً لتفجير روحية اتفاق الدوحة، وأعادت دينامية المصالحات الاعتبار لخطاب القسم الذي دعا فيه الرئيس سليمان الى «تحصين الوطن بثقافة الحوار وليس بجعله ساحة للصراعات»، وناشد فيه اللبنانيين ان «نتحد ونتضامن ونسير نحو مصالحة راسخة».

في اختصار، ان اغتيال الأمس موجه ضد الروحية التي يتضمنها اتفاق الدوحة، ويوحي بأن اعتراض هذه الروحية يطلق مرحلة دموية جديدة. فما هي خطة اللجنة العربية الوزارية الراعية لاتفاق الدوحة في مواجهة محاولة القضاء على إنجازها؟

المصدر:
الحياة

خبر عاجل