سكين على رقبة الوفاق
وصلت شظايا العبوة الإجرامية الناسفة التي قتلت الشهيد الشيخ صالح العريضي الى امكنة كثيرة وعناوين كثيرة. فلقد حصلت الجريمة النكراء عند مفترقات سياسية ووطنية. وشكلت اعلانا بالنار عن ان السكين لا تزال فوق رقبة كل المحاولات الجارية لاخراج لبنان من الجحيم الى الحياة.
نقول ان هذه الشظايا "وصلت" ولا نقول انها "اصابت" لان الاستدراك من القادة والمرجعيات والزعماء كان اوعى من الاستهداف الذي اراد له المخططون والقتلة وخفافيش الليل والدم، ان يصيب ضحية اخرى هي مصالحة الجبل، التي وضعت الطائفة الدرزية الكريمة على طريق التفاهم والتصالح والوحدة، وهي طائفة الموحدين في الاصل.
❑ ❑ ❑
والذين سمعوا صراخ وليد جنبلاط يرتفع مستهولا ومستفظعا ومتألما ومجروحا في منزل الشهيد وعلى مسامع والده المرجع الشيخ ابو صالح فرحان العريضي، وهو من اهم رموز الاعتدال وسعاة التقريب بين ابناء الطائفة الدرزية، ادركوا تماما ان الدم الذي سال من جسد الشهيد صالح ومن جروح من اصيبوا في الانفجار لم يكن الا ذلك الحبر الاضافي لترسيخ مصالحة الجبل التي لعب الامير طلال ارسلان دورا بارزا واساسيا فيها.
واذا كان المغدور هو من ابرز قياديي الحزب الديموقراطي اللبناني والذراع اليمنى للوزير ارسلان، وقد لعب هو ايضا دورا بارزا في المصالحة، وانه كان سابقا في الحزب الاشتراكي ويحتفظ بعلاقات حميمة مع قياداته، فان هدف الاغتيال يبدو سافرا وواضحا في محاولة استهداف الجبل باسقاط روح المصالحة وبذرّ الفرقة وزرع الفتنة بين ابناء البيت الواحد، وهو ما اجمعت عليه آراء كل القيادات.
❑ ❑ ❑
واذا صحت الانباء التي تحدثت عن مساع يبذلها الامير طلال بين المختارة ودمشق فلا بد من ان يكون للشيخ صالح دور مساعد فيها، وهو الذي يحافظ على وتيرة من العلاقات الحارة مع القيادات السورية. وهذا ما جعل اصابع الاتهام توجه الى اسرائيل، وان كان جنبلاط وارسلان اتفقا على عدم استباق التحقيق وعلى اصدار موقف موحد من الجريمة، وعلى جعل مأتم التشييع عرسا يرسخ روح الوفاق والمصالحة.
في اي حال وصلت شظايا الجريمة الى امكنة كثيرة وعناوين كثيرة:
❑ اولا لانها وقعت عشية الموعد الذي حدده الرئيس ميشال سليمان لانطلاق الحوار الوطني في القصر الجمهوري يوم الثلثاء المقبل.
❑ ثانيا لانها وقعت مثل صاعقة في سماء تتجه لان تكون صافية، وذلك بعد مصالحة طرابلس والشمال التي قادها زعيم "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري.
❑ ثالثا لان مناخ الوفاق والصلح الذي برز في طرابلس حمله الحريري سريعا الى منطقة البقاع مشدداً على ان التعايش الوطني والعلاقات الاخوية هي التي ستطوي صفحة الاحداث التي شهدتها بلدات سعدنايل وتعلبايا والجوار، وان الفتنة هواء اصفر دخيل على علاقاتنا الاخوية والاجتماعية.
ورابعاً لان اللبنانيين سمعوا من امين عام "حزب الله" السيد حسن نصرالله وايضا من النائب سعد الحريري كلاما متقابلا يمهد لكسر الجليد المتراكم على العلاقات السنية – الشيعية في لبنان.
❑ ❑ ❑
فاذا تذكرنا ان كل هذا حاصل عشية جلسات الحوار واضفنا الى ذلك مصالحة الجبل بين جنبلاط وارسلان، سيبدو واضحا تماما ان اغتيال الشيخ صالح العريضي هو محاولة لإنزال اصابة مفصلية في اتجاهات الحوار والمصالحة، وانذار وقح مفاده:
ايها اللبنانيون تذكروا ان السكين على رقبة الوفاق.
وفعلا علينا ان نتذكر، وخصوصا لاننا ذاهبون الى الحوار، ولان اهل الجحيم ربما اعدوا لنا سلسلة جديدة من العبوات التي قد تكون جريمة بيصور اولها.