اغتيال "العريضي الإرسلاني " يؤشر الى انطلاق المنازلة على بلاد الأرز بين "سوريا الأطلسية" وبين إيران "الحاكمة"
لبنان يعود الى تشرين أول 2004 معكوساً
من يُدقّق جيّدا باللهجة الحاسمة التي توسلها وزير الشباب والرياضة طلال إرسلان، بصفته "الوالد السياسي" للشهيد صالح العريضي، وهو يُبدي إصراره على إحالة جريمة بيصور الإرهابية على المجلس العدلي، وعلى متابعة القضية حتى معرفة القاتل، يُدرك أنّ ثمة شبهة تدور حول طرف محلي مدعوم من قوة مؤثرة، باقتراف هذه الجريمة.
وكان واضحا من كلام إرسلان أنّه يعرف الجهة التي أوصلت له رسالة ممهورة بالدم الأحمر، ولكنّه رفض مضمونها وسارع الى تمزيقها، معلنا إستمراره بـ"وحدة الجبل" التي قال إنه بدأها في السابع من أيار الماضي مع "وليد بك جنبلاط، وبالتعاون مع سيد المقاومة".
ومن دون تحميل إرسلان مسؤولية ما تفهمه الأوساط السياسية من كلامه وما تذهب إليه من تحليل يُلقي الضوء على خطورة جريمة بيصور، فإن الكشف عن أن مسيرته المشتركة مع جنبلاط تتم برعاية الأمين العام لـ"حزب الله "السيّد حسن نصرالله، هو في غاية الأهمية على هذا المفترق الإقليمي "الإنقلابي"، حيث كرّست قمة دمشق الرباعية إعادة تموضع الرئيس السوري بشار الأسد في دائرة "المحور الأطلسي" الذي تمثله فرنسا وتركيا وقطر (موطن قاعدة عيديد الأميركية الضخمة).
وبهذا المعنى، يُصبح بديهيا أن تُناقش مسؤولية الجهات اللبنانية المحسوبة على المخابرات السورية في الضلوع بهذه الجريمة، من خلال محاولة تفكيك الشيفرة التي تتضمنها هذه الرسالة الدموية.
بداية، من هو الشهيد صالح فرحان العريضي؟
تقاطع الوصف السياسي الذي قدّمه الحزب الديموقراطي اللبناني مع الوصف الذي سارع الحزب التقدمي الإشتراكي الى تقديمه، بحيث بدا واضحا أن "العريضي الإرسلاني" لعب دورا رائدا الى جانب "العريضي الجنبلاطي" في إرساء التلاقي مجددا.
وهذا التوصيف المشترك يُتيح فهم الخلفية التي دفعت جميع العارفين ببواطن الأمور الى اعتبار استهداف "العريضي الإرسلاني" هو إستهداف لوحدة الجبل التي تجلّت، في أيار الماضي، ميدانيا قبل أن تعود فتتكرّس سياسيا، على مستوى رمزَي الثنائية الدرزية التاريخية.
وبما أن إرسلان، وهو الأدرى، جزم في رد فعله الأوّلي الذي تميز بشفافية عالية واكب حرقة عميقة، بأنّ العريضي يمكن اعتباره "شهيد المقاومة"، فهذا يعني أنه يحسم سلبا مسألتين، أولاهما إستبعاد البعد الشخصي للجريمة (وهذا ما تُرجحه بصمات الإغتيال التي تشبه بصمات اغتيال كل من الشهيدين سمير قصير وجورج حاوي) وثانيهما النفي القاطع لوجود أي دور لـ"حزب الله" على خلفية الشائعات التي كانت قد ربطت بين خسائر نوعية تكبدها الحزب، في "غزوة الجبل"، وبين "خيانة" تعرّض لها من "مجموعة إرسلانية".
أكثر من ذلك، فإن إرسلان الذي ينتمي الى الفريق المناهض للقرار 1559، لم يُسارع الى اتهام إسرائيل بارتكاب الجريمة، كما أن "حزب الله"، وإن لفت الى أن الجريمة تخدم إسرائيل، إلا أنه لم يقل إنّها هي الجانية.
وعلى هذا الأساس، يُمكن طرح السؤال عن الجهة المتضررة من "وحدة الجبل"؟
يُروى أنه في أثناء الزيارة التي قام بها إرسلان على رأس وفد من الحزب الديموقراطي اللبناني لدمشق حيث استقبله الرئيس السوري بشار الأسد، سئل الأسد عن إمكان إعادة العلاقة بينه وبين جنبلاط فأجاب: "بعد بكير، بعد بكير".
وعلى الرغم من هذا الحسم الأسدي، عاد إرسلان الى لبنان وصعد مع جنبلاط الى مصالحة الخلوات في حاصبيا، حيث قال كلاما كبيرا بحق "مفتنين" ودخيلين "ومدسوسين".
ثمة من فهم فورا أنه هو المقصود بهذا الكلام، فرد على إرسلان بشتائم مباشرة واصفا إياه بالفاشل الذي يتصرف كما لو انه نائب في اللقاء الديموقراطي. يومها تقصد صاحب هذا الرد أن يُبلغ متلقي تصريحه أنه موجود في سوريا.
ومنذ التقارب الحاصل بين جنبلاط وإرسلان، في عزّ "غزوة الجبل" كان الشخص المعني بهجوم إرسلان مدركا أن الثنائي التاريخي يريد "وأده"، فتدخل لدى "حزب الله"الذي أبلغه أنه لن يقف ضد إرسلان معه، كما أنه لن يقف مع إرسلان ضده.
ووصل سيناريو الشكوك بتأثير الدور الذي يلعبه إرسلان على قلب المشهد الإنتخابي في أيار المقبل، الى العماد ميشال عون، الذي حاول أن يُطوّق أي تحالف على حسابه في بعبدا، بالمزايدة على الجميع في موضوع الوقوف الحاسم الى جانب "حزب الله"، فكان قرار القيام بجولة جنوبية تتضمن زيارة لضريح عماد مغنية.
وبطبيعة الحال، رفع المتضررون من هذا التقارب بين جنبلاط وإرسلان الى دمشق السيناريو المرتقب لما يستسهلون وصفه بـ"الخيانة التي يُمهّد لها إرسلان"، ولعلّ هذا السيناريو بالذات هو الذي كان وراء دعوة إرسلان وحزبه الى لقاء مع الأسد ليسمعوا عبارة "بعد بكير"، وليُصار بعده في مواقع المخابرات السورية الى نشر مقالات تتضمن هجومات ضد "الخائن" وليد جنبلاط، من دون مناسبة.
وكان هذا المستهدف بكلام إرسلان في خلوات حاصبيا، قد شنّ هجوما عنيفا على إرسلان، غداة بدء المصالحة مع جنبلاط، متهما إياه بأنه رمي "طوق النجاة" لهذا "العميل"، طمعا بمقعد نيابي، في حين كان المطلوب التقيد بالأجندة التي تفرض على جنبلاط تسليم القيادة الى بكره تيمور.
المقابلة أجراها على موقع مرتبط بالمخابرات السورية أحد الوجوه المعروفة بأنها من الجهاز العامل في ما يُصطلح على تسميته بفرع الدعاية في هذه المخابرات.
ومعروف في أوساط إرسلان كما في أوساط المتحركين على خط بيروت دمشق أنّ المخابرات السورية، ومنذ أمد طويل غير مُعجبة بإرسلان، لأنه في اعتقادها يريد أن يواجه خصومه، مراعيا معادلات سياسية، تأخذ في الإعتبار مصالح "عشيرته"، في حين أن المطلوب منه المواجهة الشاملة، لتوفير المصلحة السورية الملحة.
وعلى هذا الأساس، تمّ "إيجاد" وئام وهّاب الذي لا يملك بالأساس شيئا ليخسره، وطالما فهم المخضرمون السياسيون "إيجاد" وهّاب على أنّه تحدّ حقيقي لإرسلان وليس لجنبلاط، لأن وهّاب، في حال نجح، سيأكل من صحن إرسلان، فقط.
ومنذ الإنسحاب السوري من لبنان، تلقى إرسلان رسائل سورية كثيرة تلومه على أدائه الناعم"، فكان بين الفينة والأخرى، وبملفات تخص "حزب الله"، يخرج الى تصعيد لفظي.
ولكن الرئيس السوري ترك الأمور تأخذ أبعادها، على اعتبار أنّ "حزب الله" يضبط الأمور بكفاءة عالية جدا… إلى أن حصل الإنقلاب في سوريا.
وثمة من يجزم بأنّ ما كان صالحا قبل القمة الرباعية في دمشق، لم يعد صالحا لما قبلها، وما كان يُعتبر تكاملا بين "حزب الله" والنظام السوري أصبح تحالفا حذرا، وما كانت حارة حريك تتبادله مع دمشق، من دون قيد أو شرط أصبح لزاما أن يمر على خط حارة حريك إيران، فإيران ـ سوريا.
القمة الرباعية غيّرت كل شيء.الأسد لم يعد يريد أن يكون ورقة في يد إيران. قرّر أن يكون حليفا من موقع المعادلة المستقلة. إيران تخشى على اوراقها "الهاربة" أو "العاجزة"… ولم تتبق لها سوى الورقة اللبنانية التي، لولاها، لم يكن لدى الأسد بدوره ما يبيعه لتجميع ثمن الصفقة الكبرى المنتظرة.
في هذه اللحظة بالذات، كان لا بد من دوي انفجار كبير يضرب دارة خلده وشبيهاتها في الشمال وبيروت والبقاع الغربي وجبل لبنان حيث قصر بعبدا حيث وساكنه "صاحب العقيدة الندية"، الذي حدّد موعدا لطاولة الحوار الوطني سبق لبشار الأسد، وهو في باريس، أن قال بغيره (أعاد وهّاب، أمس من منزل النموذج الرئاسي السوري المنقرض أميل لحود الذي يُقاطع قصر بعبدا، التذكير بأن الموعد الذي حدّده سليمان للحوار غير مناسب).
ثمة من يُشبّه اغتيال العريضي اليوم، بمحاولة إغتيال الوزير الياس المر في تموز 2005. كان مطلوبا آنذاك "حذف" الصوت "غير السوري" من القصر الجمهوري اللبناني، وتذكير أميل لحود الذي "تراخى" لمصلحة قوى 14 آذار، أنّك من سوريا والى سوريا تعود، وإلا…
وثمة من يذهب الى أبعد من ذلك قليلا، إلى أوّل تشرين أول 2004، ويُشبه طلال إرسلان بوليد جنبلاط وحسن نصرالله برفيق الحريري وصالح العريضي بمروان حماده.
وعلى هذا الأساس، ثمة من يستنتج : محق هو طلال إرسلان بقوله إن معرفة قاتل العريضي فيها خلاص لجميع اللبنانيين. خلاص من تطويع يخدم قرارات الفتنة. خلاص من تمرد على الفتنة يوصل الى…الموت.
في جلسة تعود الى أشهر عدة خلت، قال رئيس "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري، وكان الحديث يتمحور حول المحكمة الدولية، إن هذه المحكمة ليست في خدمة قوى الرابع عشر من آذار، بل هي في خدمة كل من يُصبح أكثرية في لبنان، لأن النظام السوري الذي يقتلنا اليوم حتى نرضخ سوف يقتل حلفاءه في الغد، إن أصبحوا أكثرية، حتى يسلموه كل شيء.
على أي حال، الدماء التي سقطت في بيصور، ليست سوى بداية لدماء كثيرة من الفئة نفسها، لأنّ ثمة إشارة عاجلة تفيد بأن المنازلة الإيرانية ـ السورية على ملف لبنان انطلقت.
ولهذا السبب بالتحديد، أصاب رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان حين استعجل الحوار الوطني، لأن تفاهم اللبنانيين وحده يحمي من غدرات الزمن التي تجعل الكثيرين تائهين لمعرفة اللحظة التي تكون فيها إسرائيل سورية، وتلك التي تكون فيها سوريا إسرائيلية.