"ثقافة الحياة" عنت مواجهة مكشوفة مع "ثقافة الموت" قبل 7 أيار وتمسكاً بفضيلة الإستقرار بعده
اغتيال العريضي تأكيد على صوابية "الممر التصالحي" لقضية الإستقلال
اغتيال القيادي في "الحزب الديموقراطي اللبناني" الشيخ صالح العريضي هو عمل أمني نوعي مصحوب بترجمة فورية لا تخفى على أحد. القصد منه واضح وهو منع تمدّد منطق المصالحة، وتفتيت ما تحقق منها في الجبل والشمال.
يدرك الجاني جيداً وجه الصلة بين المصالحة في منطقة الجبل وبين المصالحة في الشمال. هو يعلم أن الغلبة الأمنية المحققة بقوة السلاح قبل خمسة أشهر يتضاءل حجمها يوماً بعد يوم، وأن المصالحات الأهلية جبلاً وشمالاً كفيلة بامتصاص القسم الأكبر من هذه الغلبة الأمنية.
فهذه المصالحات تعيد الإعتبار لفضيلة الإستقرار، والناس بعد 7 أيار أكثر ما تحتاجه هو الإستقرار. قبل 7 أيار كانت "ثقافة الحياة" تعني مواجهة مكشوفة ومباشرة مع "ثقافة الموت". بعد 7 أيار صار شرط كسب "ثقافة الحياة" المعركة المضنية بوجه "ثقافة الموت" هو التقاط حاجة الناس إلى الإستقرار وعقد الروابط المحلية في طول البلاد وعرضها على هذا الأساس.
وهذا أمر يعيه أركان الحركة الإستقلالية بشكل مختلف ومتفاوت ومتدرج في ما بينهم. ومنطقة الجبل فرض عليها أن تعي ذلك ربما أكثر من الآخرين، وقبل الآخرين، ولو كان هناك مشكلة في تفسير ذلك بشكل لا يخلق ريبة. المهم أن الجبل واجه بمصالحته العاجلة بين أبناء المذهب المعروفي عملية مسلّحة كانت تستهدف تغيير طبيعته وتركيبته الديموغرافية في أيار الفائت، افساحاً في المجال لتكوين إمارة مهدوية مسلّحة من لون مذهبي غالب، وببرمجة ايديولوجية مسيّرة عن بعد، وتتمدّد جنوب خط الشام وشرق صنين.
وقبل أن يتوجه الشقاة لإستهداف منطق المصالحة بقوة الإرهاب، كان استهدافهم له بتظهيره على غير معناه، وبالإيحاء بأن المصالحة هزيمة للإستقلاليين، وأن كل مصالحة تحوي في طياتها انقساماً في الفريق الإستقلالي. يفترض بالتالي أن يكفل الحدث الإرهابي في بيصور تبيان الحقيقة: المصالحة المنادية بفضيلة الإستقرار في كل منطقة بعينها وعلى الصعيد اللبناني العام هي المقولة الأكثر ملاءمة للعمل الإستقلالي في هذه المرحلة بالذات، وإذا كانت ديناميات المصالحة تطرح بشروط سياسية وخطابية مختلفة من منطقة إلى أخرى، فلا داعي للتخوف على وحدة الفريق الإستقلالي عندما تحدث. المصالحات هي الكفيلة بالتوفيق بين حلم الإستقلال اللبناني الثاني وبين فضيلة التنعّم بإستقرار أمني وأهلي.
لا يعني ذلك أنه ينبغي أن يراهن الإستقلاليون على أن توجيه الضربات الأمنية للقوى السياسية المنخرطة في مصالحات أهلية معهم هو أمر من شأنه أن يخلق ردّ فعل عكسي يجعل من المتصالحين شركاء كاملين في المشروع الإستقلالي. في المقابل لا بد للإستقلاليين من بذل الجهد أكثر من أي وقت لكسب كل من يتطلّع لنصرة منطق المصالحة في هذا البلد، ففي النهاية كل خطوة بإتجاه الإستقرار هي خطوة بإتجاه السيادة، وذلك بمناقضة كاملة مع ما يرتسم على خط "حزب الله"عون منذ "تفاهم مار مخايل"، وبشكل أكثر تأكيداً مع حرب تموز، وبصوة يقينية في "اعتصام" العام ونصف العام، وثم بشكل فوق اعتيادي في 7 أيار وما بعده. فهذا الذي يرتسم لا يريد لا الإستقرار ولا السيادة.
القوى المخلّة بالإستقرار ترى في رفع الإستقلاليين له كشعار دليل ضعف. مع ذلك فإن هذه القوى لا تتردّد في الإستهداف الأمني لكل من تساوره نفسه الإسهام في صنع الإستقرار الوطني، ولمّا كان للجيش اللبناني قسطه في هذا المجال، تزايدت محطات استهدافه برّاً وجوّاً في الآونة الأخيرة لإنه عماد الإستقرار.
عليه فإن الرّد على الإغتيال الأخير يكون بوثوق الإستقلاليين بشعار الإستقرار وبكونه الآن الأكثر قدرة على طرح سؤال "هذا السلاح إلى أين" من كل مواجهة ميدانية مباشرة وشاملة، لها هي الأخرى أوانها وشروطها.