#dfp #adsense

سباق بين المصالحة والحوار… والمتضررين

حجم الخط

سباق بين المصالحة والحوار… والمتضررين

بمقدار ما أُعجب لبنانيون كثر بشجاعة زعيم "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري وتعاليه على الجروح يوم بادر الى الانتقال الى عاصمة الشمال طرابلس بغية وضع حد لمشكلاتها الامنية والانمائية والخدماتية وربما السياسية ومنعها من الانزلاق نحو حرب مذهبية لن تبقى محصورة داخل احيائها والزواريب وذلك من خلال مصالحة جدية وربما تاريخية بين ابنائها على تنوع اتجاهاتهم وتناقضها. وبمقدار ما أُعجب اللبنانيون ايضاً بتجاوب الاطراف الطرابلسيين كلهم مع فكرة المصالحة وبمشاركتهم في تذليل صعوباتها وازالة العقبات من امامها، وارتاحوا يوم وقّع الجميع في طرابلس وثيقة المصالحة، فانهم وضعوا ايديهم على قلوبهم، أولاً، ساعة صار الحريري في طرابلس. وثانيا، ساعة بدأ التحرك الجدي للمصالحة. وثالثاً، ساعة توقيع وثيقتها. وذلك انهم كانوا خائفين ان تدفع خطوة بحجم هذه المصالحة، وخصوصاً اذا كانت جدية، المتضررين منها بل من اي استقرار امني في اي منطقة من لبنان، وهم للمناسبة كثر ومتنوعو الانتماءات المحلية والاقليمية والدولية، الى توجيه طعنة قاتلة اليها سواء في اغتيال كبير او متوسط او اشتباك امني او عسكري ما أو في عملية تخريب او بالاحرى تفجير عشوائية تصيب الناس العاديين او غير عشوائية تطال موقعاً او مؤسسة من المرافق والمؤسسات الكثيرة في العاصمة الثانية. اما بعد انجاز المصالحة فان خشية اللبنانيين تحولت رعباً وخصوصاً حين بادر رئيس الجمهورية بعد اقل من 24 ساعة على توقيع المصالحة الى دعوة الاطراف اللبنانيين في الصراع الدائر في بلادهم منذ بضع سنوات الى مفاجأة معظم قيادات لبنان على تناقضها الى مؤتمر للحوار يوم الثلثاء المقبل تنفيذا لاتفاق الدوحة الذي أنهى – اذا كان أنهى – استباحة بيروت في السابع من ايار الماضي.

اما سبب هذا التحول فهو ان الحوار قد يكرس مصالحة طرابلس ويفتح الطريق امام مصالحات اخرى اذا نجح المشاركون فيه في التفاهم على القضايا الاساسية الداخلية الصرفة والداخلية ذات الخلفيات والابعاد الخارجية وتوصلوا الى وضع آلية تتولى تنفيذ ما يُتفق عليه في اسرع وقت. وهذا امر في حال حصوله ينزع ورقة كبيرة جدا بل لعلها الاكبر من المتضررين اللبنانيين من اي حل في لبنان اذا وجدوا ومن المتضررين الاقليميين والدوليين من حل كهذا وهم موجودون وكثيرون جدا. وطبيعي ألا يقبل هؤلاء السكوت عن نزع كل ما يمكنهم من التدخل في لبنان وتنفيذ اجنداتهم المختلفة والمحافظة على مصالحهم المتناقضة. ولم يتأخر المتضررون او بالاحرى بعضهم في التحرك السريع بعدما لمسوا ان الدولة اللبنانية وتحديدا رئيس الجمهورية وعددا من القيادات اللبنانية وان تكن متصادمة ومختلفة تخوض معهم نوعاً من السباق بين الحياة والموت او بين الاستقرار واعادة البناء والمصالحة والعنف والفوضى والفتن والحروب الاهلية والمذهبية. ويبدو انهم سبقوها باغتيال القيادي الدرزي المهم في الحزب الديموقراطي اللبناني الذي يتزعمه الامير طلال ارسلان الشهيد صالح العريضي ابن البيت المحترم الذي كرس جهوده رغم انتمائه السياسي المعروف للمحافظة على وحدة الدروز المهمة لوحدة الجبل والمهمة بدورها لوحدة لبنان. طبعاً لا يعني ذلك ان السباق توقف بين المتضررين من السلم في لبنان والعاملين على تعميق اسسه ودعائمه من مسؤولين وسياسيين رغم انتمائهم الى "شعوب" متناحرة او متنافسة على "السلطة". فالاغتيال في بيصور على اهمية الشخصية التي استهدف قد لا يكون الاول في السلسلة الثانية من الاغتيالات التي ربما تكون قيد الاعداد والتي قد لا تقتصر هذه المرة على فريق لبناني واحد. والرد عليه في مؤتمر الحوار وبمصالحات اخرى سيستمر.

لكن لا بد من الاشارة الى ان يد المتضررين اطول من يد الساعين الى السلام والى انهم اقوى من الدولة غير الموجودة او التي تكاد ان تكون موجودة. ولا بد من الاشارة ايضا الى ان اللبنانيين منهم ليسوا وحدهم. اذ لديهم حلفاء اقليميون ودوليون قادرون على مدهم بكل اسباب القوة للمضي في مشروعاتهم التخريبية. في حين ان انصار السلم الاهلي الثابت في لبنان قد تكون قوتهم اقل داخلياً مصدرها كان أو خارجيا. وهذا امر طبيعي في هذه المرحلة التي ليست هي مرحلة حلول بل مرحلة جمود من جهة ومرحلة وقت ضائع من جهة اخرى ومرحلة الفرص السانحة للاعبين الاقليميين المتصارعين في المنطقة او لبعضهم كي يعززوا اوضاعهم وطبعا من خلال لبنان الساحة المثلى في نظر الجميع او بواسطة وكلائهم اللبنانيين كي لا نقول اكثر. اما مرحلة الجمود فناجمة عن انتظار الانتخابات الرئاسية الاميركية التي ستجرى بعد شهرين والتي تفرض على الرئيس الاميركي بوش عدم اتخاذ مبادرات مهمة خارجية وابقاء كل شيء على حاله في انتظار الرئيس الجديد وعدم المبادرة الا اذا حاول اخصام اميركا او اعداؤها امتحانه او تحدّيه. واما مرحلة الوقت الضائع فناجمة عن الحال السياسية المتأزمة في اسرائيل التي ستوصل قريباً الى انتخابات عامة مبكرة او الى حكومة جديدة تحضر للانتخابات العامة في موعدها العادي. واما مرحلة الفرص السانحة فهي خطرة على لبنان لان المرحلتين السابقتين تغريان كل مستعملي لبنان الساحة وشعوبه بالعمل لتعزيز مواقعهم في حروبهم بعضهم على بعض من خلالها.

وما يخيف في هذه المرحلة هو الضياع الذي يشعر به الخبراء عادة في الجهات الدولية والاقليمية المتدخلة في لبنان وفي وكلائها اللبنانيين عند محاولتهم تحديد مواقفها الفعلية من اوضاع لبنان وقضايا المنطقة والتحركات مع الخارج. فهم عرفوا في السابق مثلاً ان سوريا ارادت قبل ايار باشهر صداما في لبنان وان ايران الاسلامية منعته. وكان ذلك صحيحا. وعرفوا بعد ذلك ان ما حصل في 7 ايار لم تمانع فيه ايران وحكي عن اسباب ذلك في حينه. لكن الآن لا يعرف احد النيات الفعلية لسوريا وايران وفي الوقت نفسه لاميركا واوروبا وتحديدا فرنسا وكذلك للعرب المناهضين لسوريا وايران وفي مقدمهم السعودية ومصر. ويترك ذلك اللبنانيين في حال حيرة وضياع وخوف من المستقبل القريب ذلك ان غموضاً من هذا النوع قد يخبىء وراءه كوارث. ولهذا السبب على رئيس الدولة الراغب في الانجاز وعلى الاطراف السياسيين المعلنين رغبة في مساعدته على تحقيق السلام التعاون بصدق ليس "لرد القضاء" اذا كان ذلك صعبا عليهم بل لسؤال الله تعالى "اللطف به" ومساعدته على ذلك ولمواصلة مسيرة الانقاذ بعد انقضائه.

المصدر:
النهار

خبر عاجل