دعــونا لا نختصــر الــوطـــن فــي طــاولـــة
في دعوته إلى استئناف مؤتمر الحوار الوطني أشار رئيس الجمهورية الى أن "الحوار يجب ألا يستثني أحداً، لكن آلياته ستتحدد وفق المعطيات المتوافرة وبالتوافق بين شركاء الوطن". وأصاب في قوله لأن "طاولة الحوار"، كما عرفناها، غير كافية لإجراء حوار وطني حقيقي.
إن مشاكل لبنان عميقة ومزمنة. فهذا البلد ولد من رحم الخلافات، فشهد موجة عاتية من الانقسامات الداخلية والإستقطابات الخارجية؛ وانغمس في حروب أهلية في الأعوام 1958 و1975 – 1990 ثم أخيراً في العام 2008 ؛ كما أنه لا يزال يعاني من فقدان السيادة، وضعف المؤسسات السياسية، والتدخلات الخارجية الكاسحة، والطائفية المستوطنة، والثقافة السياسية الإنقسامية والمتخلفة. لا بل إن غياب الإجماع الوطني على أشدّه حيال العديد من القضايا الجوهرية على غرار السيادة الوطنية، ومشروع الدولة، والمؤسسات السياسية. وكذا الأمر بالنسبة إلى غياب التواصل، ليس فقط بين القادة السياسيين، بل أيضاً بين مختلف الطوائف والجماعات السياسية، وهو إنقطاع وصل إلى مستويات خطرة.
الحوار الوطني، بالتالي، ضرورة ملّحة. فـ"الحوار" يعني النقاش المعمّق حول أسس الدولة والسيادة والبنى السياسية. و"الوطني" يعني النقاش الواسع الذي يتجاوز حفنة من الزعماء، ليضم جماعات ومؤسسات وطاقات تشكل مجتمع هذا الوطن. اما الحوار الوطني كما هو الآن فيمكن ان نطلق عليه إسم مؤتمر الهدنة الوطنية أو مؤتمر الصفقات الوطنية.
إن أهداف الحوار الوطني ليست فقط التوصّل إلى صفقة، بل أساساً تطوير قنوات الحوار وعاداته التي يجب أن تخترق كل مستويات المجتمع؛ وتوسيع مساحات التفاهم المشترك؛ وتعزيز الثقة وعملية إتخاذ القرارات في شكل مشترك؛ وتمتين الوحدة الوطنية من خلال التفاعل العميق والطويل الأمد بعد سنوات طوال من الإنقسام.
ويجب لفت الإنتباه هنا إلى ان المقاربة المنقوصة أو غير المتكاملة للحوار تؤدي إلى نتائج عكس تلك المتوخاة، وقد تعرّض إستقرار الوطن إلى الخطر. لا بل هي قد تضعف منصب الرئاسة الذي هو مؤسسة موحِّدة وضرورية لمواجهة حال الإستقطاب التي نعيش هذه الأيام. والواقع أن فرص توصّل القادة الحاليين إلى تفاهمات أساسية خلال بضع جلسات حول طاولة، في أعقاب نزاع مسلح وفي خضم حملات إنتخابية لاهبة، أمر غير محتمل. إنهم في أحسن الاحوال قد يتمكنون من الحفاظ على الهدنة الراهنة، لكنهم في أسوئها قد يصلون إلى خلافات مريرة تؤدي إلى إنهيار المحادثات وقد تسفر عن تحلل الهدنة الراهنة وسقوطها، وبالتالي إلى إندلاع العنف مجدداً. عملية الحوار يجب أن تُصمم بحيث تستهدف تحقيق النجاح بالقدر نفسه الذي توفّر فيه الحماية من الفشل والإنهيار المبكرين.
نحن اللبنانيين لسنا فريدي عصرنا في مواجهة هذه التحديات. فالتغلّب على إنقسامات الحرب الأهلية، ومعالجة تحدي دمج حركات المقاومة في نسيج مؤسسات الدفاع الوطني، ومحاولة إستعادة الوحدة الداخلية في غياب السيادة الوطنية وفي ظل نفوذ أجنبي قوي، هذه كلها صعوبات واجهتها بلدان أخرى. وقد إنبثق من هذه التحديات حقل معرفة وخبرات واسع، فنستطيع ان نفيد من تجارب جنوب إفريقيا، وإيرلندا الشمالية، ودول أخرى حول العالم شادت بنجاح وحدتها الوطنية بعد مخاضات صعبة. التفكير بعمق في كل من هذه الحالات وفي حالة لبنان تجعلنا نخرج بعدد من الإستنتاجات.
أولها، أن عملية الحوار الوطني يجب أن تُفهم على أنها عملية طويلة. ليس ثمة بلد يمكنه إنجاز حوار وطني خلال بضعة أشهر. وبالنسبة لنا هذا يعني أنه علينا أن ندرك بأن عملية الحوار الوطني يجب أن تُعطى الوقت الكافي كي تنمو وتنضج. وهو يعني أيضاً أن هذه العملية يجب ألا تخضع إلى ضغوط الإنتخابات النيابية المقبلة بل يتعيّن علينا أن نتيقن من أن الحوار سيبدأ قبل الإنتخابات ويستمر خلالها وبعدها. وهذا سيساعد على حماية الحوار من الجدول الزمني الإنتخابي المثير للتوتر، ويضمن للمشاركين فيه بأنه مهما كانت حصيلة الإنتخابات سيحتفظون بمقاعدهم حول طاولة الحوار وسيبقون أعضاء في الحوار الوطني.
ثاني الإستنتاجات، أن العملية يجب ان تُقارب بصفتها أوسع بكثير من كونها طاولة يتحلّق حولها بعض الزعماء. وهذه مسألة ضرورية بالمعنى الإيجابي كي يصبح الحوار الوطني وطنياً حقاً وكي نعمّقه ونوسّعه لنجعله أكبر وقعاً وقابلاً للإستمرار. وهذا مهم أيضاً بالمعنى الحمائي السلبي، لأنه إذا ما سقط القادة في لجج الخلافات فلن تتوقف عمليات الحوار بل ستستمر على مستويات أخرى ولن يتعرض الوطن إلى مخاطر الإنهيار الشامل للحوار.
ثالث الإستنتاجات، أن الحوار الوطني يجب أن يوّسع فضاءات نقاشاته بدل تضييقها. فالتركيز على واحد أو إثنين فقط من القضايا التي هي محط خلافات عميقة، هي وصفة مُثلى للفشل. المقاربة الأفضل هي توسيع المسائل قيد النقاش للبناء على البنود التي يمكن ان يكون الإتفاق فيها سهلاً وسريعاً، ثم إستخدام الزخم الإيجابي للإتفاق والثقة التي يولّدها للتقدم نحو مجابهة القضايا الأصعب.
رابع الإستنتاجات، ان الحوار الوطني يجب أن يكون مقاربة مدروسة جيداً ومخططاً لها جيداً، وفق بنى وآليات واضحة وجدول زمني دقيق.
عملية الحوار الوطني الصحي والفعّال في لبنان قد تتضمن العناصر الآتية: في مجال البنى يمكن للزعماء الـ14 في مؤتمر الحوار الوطني الراهن أن يواصلوا كونهم اللجنة العليا لإتخاذ القرار، بيد ان العملية مع ذلك يجب أن تتضمن مشاركة أوسع بكثير. وهذا يمكن تحقيقه عبر إضافة منابر حوار وتفاعل مختلفة. فثمة حاجة، أولاً، لأن يكون هناك لجنة من الصف الثاني تضم ممثلين عن الأحزاب الرئيسة، يمكنها الإجتماع ومناقشة القضايا حين لا تكون اللجنة السياسية الرئيسة قيد الإنعقاد. وثمة ضرورة، ثانياً، للجان من الخبراء والتقنيين تستطيع العمل على قضايا محددة وعلى توليد أفكار وحلول. ثم هناك حاجة، ثالثاً، إلى آليات للتواصل مع قطاعات أخرى من المجتمع على غرار: المجتمع المدني، المؤسسات التعليمية، منظمات رجال الاعمال، نقابات العمال، البلديات والمجموعات المحلية، والإعلام.
– إن المجتمع المدني قادر على تشكيل تحالف وطني هدفه مواكبة ومؤازرة الحوار، ويمكنه المساعدة على تنظيم إجتماعات حوار وطني ونقاشات في كل أنحاء البلاد وفي مختلف الأحياء والقرى. الهدف هنا هو جعل الحوار واسعاً وإستيعابياً كي يكون أشبه بورشة عمل وطني قادرة على توليد موجة كاملة من الحوار والنقاشات، وإطلاق مئات أو آلاف الحوارات والعلاقات، وخلق مناخات وطنية ومشاركات وإلتزامات لجعل الحوار الوطني ذي معنى وقادر على الإستمرار والتغيير. أما الهدف من البنى الاوسع فهو توليد الزخم والأفكار. لكن، لتحقيق الفاعلية، يمكن لآليات إتخاذ القرار أن تبقى على مستوى اللجنة السياسية العليا.
وثمة فوائد اخرى من البنى الأوسع، وهي أنه حين تصل اللجنة العليا إلى خلافات وطريق مسدود ففي وسعها بدلاً من إعلان فشل الحوار الوطني أن تُحيل القضية إلى أسفل، أي إلى لجنة الخبراء أو لجنة الصف الثاني، كي تقترح أفكاراً ومقاربات جديدة.
مؤتمر الحوار الوطني، الذي يوجهه الرئيس ومستشاروه وموظفو الرئاسة، يجب ان يركّز في أولى جلساته، على البنية والقضايا الإجرائية المتعلقة بإطلاق عملية حوار وطني ناجحة وقابلة للإستمرار. ويمكن البدء بالإتفاق أولاً على كيفية توسيع العملية بحيث تشمل مشاركة وطنية أوسع، من دون أن يؤثر ذلك على آلية إتخاذ القرار. كما في وسعهم وضع خريطة طريق أو جدول زمني لمراحل الحوار الوطني، الأمر الذي يعطي العملية فسحة واسعة من الوقت (ربما سنتين) كي تثمر.
المرحلة الأولى من الجدول الزمني يمكن ان تهدف إلى الخروج بإعلان مبادئ يعبّر عن الأهداف المشتركة للمشاركين؛ وبإتفاقية حول قواعد الحوار التي يجب أن يلتزم بها الجميع. والأهم في قواعد الحوار الإتفاق على كيفية معالجة الخلافات التي ستبرز لا محالة (مثلاً، الإحالة إلى اللجنة التقنية أو لجنة الصف الثاني؛ إرسالها إلى المجتمع المدني للنقاش… الخ).
وتشمل هذه المرحلة أيضاً الإهتمام بدراسة الموقع الأنسب للحوار. بالطبع، اللجنة الرئيسة ستجتمع في قصر بعبدا، بيد ان اللجان والمجموعات الاخرى (المجتمع المدني، الجامعات، الإعلام.. ألخ) يمكنها الإجتماع في مكان آخر. وقد يتم إختيار موقع في بيروت لهذه الإجتماعات والنشاطات يكون مفتوحاً أمام المواطنين وتُجرى فيه أيضاً النشاطات والتدريبات المتعلقة بالمصالحة الوطنية وقضايا الحوار. هذا إضافة إلى قيام نشاطات حوارية برعاية البلديات والمنظمات في مختلف المناطق لخلق مناخات من الزخم الوطني الداعم للحوار.
جنباً إلى جنب مع هذه الخطوات، يجب أن تبدأ عملية التحضير للحوار بفسحة وقت تستطيع خلالها المجموعات أو الأحزاب او الأفراد أن تتقدم بمقترحات إلى مؤتمر الحوار الوطني لدراستها. وبعدها يمكن الحوار الوطني بشتى لجانه ومنابره أن يبدأ بمناقشة القضايا التي اتفق على ادراجها على جدول اعماله مع إعطاء الأولوية للمسائل الاكثر سهولة والاقل خلافية (على غرار اللامركزية الإدارية، تعزيز القضاء، مكافحة الفساد… إلخ) بهدف بناء الثقة ومراكمة التجارب الناجحة.
المجالات التي يتم التوصل فيها إلى إتفاق، يجب ان تنجز وأن يبدأ العمل بموجبها. أما في المجالات التي يستمر الخلاف حولها فيتعين مواصلة النقاشات على شتى المستويات. والواقع أن تعلّم كيفية العيش مع درجة من الخلافات من دون خسارة الوحدة والسلام الوطنيين، يوازي في أهميته التوصل إلى إتفاق. كما من المهم الملاحظة أن الحوار الوطني يهدف إلى توفير أسس التفاهم المشترك والإجماع الوطني حول القضايا الأساسية والعامة. وهكذا، حيث يخلق الحوار الوطني أرضية مشتركة كافية، يمكن الحكومة والبرلمان أن يعملا للبناء عليها والإنطلاق منها.
في عملية الحوار الوطني، المشاركة الواسعة والقدرة على الإستمرار توازي في أهميتها الإتفاق الذي قد يُبرم في نهايتها.
إن لبنان محكوم بالحوار والتفاهم. والحوار الوطني هو فرصة لمحاولة إعادة بناء مجتمع منقسم. دعونا لا نختصر الوطن في طاولة ولنغتنم هذه الفرصة لنبدأ حواراً وطنياً حقيقياً من أجل بناء لبنان محصّناً بإلتزام كل أبنائه به.