#dfp #adsense

قوى 8 آذار في مهب حرب باردة سورية ـ إيرانية

حجم الخط

خلو التقارير من أي اتصال سوري بإيران بعد تحرير الأسد نظامه من قبضة "الحرس الثوري"
قوى 8 آذار في مهب حرب باردة سورية ـ إيرانية

في الرابع من أيلول 2008، أي منذ 9 أيام، إنتهت القمة الرباعية التي انعقدت في دمشق، وغادر الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي عائداً الى بلاده، بعد محادثات مع نظيره السوري بشار الأسد حيث تمحور البحث في ملفات تعتبرها الجمهورية الإسلامية الإيرانية "وجودية"، ومع ذلك لم يُسجل بعد أي اتصال سوري، على أي مستوى، مع أي مسؤول إيراني، على أي مستوى.

ومن يُدقق بأرشيف العلاقة السورية الإيرانية يتوقف باهتمام عند "نقطة الفصل" بحيث بدا أنّ آخر موضوع تمّ نشره، كان في الثلاثين من آب الماضي، وقد تمحور حول مسألة واحدة لا غير، وهي "تنبيه" الأسد الى أن زيارة ساركوزي لدمشق هدفها المحوري "الإيقاع" بين سوريا من جهة وبين إيران من جهة أخرى، وكان لافتاً للإنتباه أن السلطات الإيرانية التي وزّعت هذه المعلومات قد تعمّدت إعطاءها صدقية عالية، بحيث نسبتها الى ما سمّته "مصادر عليمة في مراكز اتخاذ القرار الفرنسي".

إلا أن إشارة واحدة، لم تصدر عن دمشق بهدف "طمأنة" طهران إلى "ثبات" الأسد، لا بل إنّ مجريات القمة الرباعية أظهرت بشكل لا يقبل اللبس، أن دمشق بدأت تتخذ من أي هجوم عسكري محتمل على "حليفتها الإستراتيجية" مواقف مماثلة لتلك التي كانت تتخذها ضد قرار غزو العراق، أي الإكتفاء بتسجيل التحفظ، في حين لا تجد غضاضة في التعمق باتخاذ مواقف حاسمة من ملفات تعتبرها إيران "أوراقها"، كملفات لبنان وفلسطين والعراق.

وإذا كان الضد يُفسر الضد، فإن الإتصالات التي قامت بها باريس عقب زيارة ساركوزي لدمشق مع كل من واشنطن والقاهرة والرياض أظهرت أن هناك "شيئا ما قد تحقق"، وهو ما امتنعت دمشق عن تبليغه الى طهران، التي ردّت على هذه السلوكية بتوجيه ضربة قاسية للأسد، من خلال شنّ هجوم عنيف على ساركوزي الدمشقي، بحيث أفهمت الجميع أن دمشق تفقد قيمتها الإيرانية متى استقالت من وظيفة الورقة لأنّ منصب حامل الرسائل يشغله خافيير سولانا، الذي ضمّ إليه الإدارة الأميركية، ولو من موقع المراقب الصامت.

وهذه الرسالة الإيرانية، سبق وصاغتها إيران بلغة غير مباشرة، في بداية آب الماضي عندما قالت، لدى استقبالها الأسد العائد من لقاءات مع ساركوزي على هامش قمة اتحاد دول البحر المتوسط، إنّ تجاوز الهيمنة الإسرائيلية والأميركية في المنطقة هو حاصل، وكل ما يحتاجه التروي والصمود، أي عدم التقدم نحو المفاوضات والمسارعة الى تقديم تنازلات مبدئية، لجذب رضى البيت الأبيض الذي يتعاطى مع دمشق من موقع الباحث عن أفعال تطابق الأقوال وليس عن أقوال متحررة من الأفعال، وهذا ما بدأ بشار الأسد يتفهمه نسبيا، بعد 8 سنوات من وراثة عرش… الجمهورية.

الأسد "يُحرّر" نظامه

أيّ تداعيات لهذا التطور على خط سوريا ـ إيران؟
قبل ستة أشهر، لم يكن "حزب الله" قلقا من النظام السوري، بل كان مرتاحا الى كل انفتاح إقليمي أو دولي في اتجاهه، لأنه بذلك يأخذ من رصيد خصومه في الداخل اللبناني، من دون أن يُقدّم الأسد شيئا سوى الكلام المعسول الذي يعجز عن تطبيقه.
مصدر الطمأنينة الوحيد لدى "حزب الله" لم يكن الثقة بالأسد، بل بما كان مسؤولوه يُرددونه في الأروقة من أنّ النظام السوري "ساقط" بأيدي إيران، ومن أن جماعة 14 آذار فاقدو الصلة بالواقع، لأنهم لا يعرفون أن السيد حسن نصرالله، هو عمليا من يوجّه الأسد، وليس العكس مطلقا.
وبالفعل، فقد بدا الأسد، طوال تلك المرحلة في وضعية العاجز، ولكن أمورا كثيرة بدأت تتحرك في تكوين نظامه، فبدأ التسريب المخابراتي عن إقصاء آصف شوكت، وعن خلافات ضمن العائلة الحاكمة على هذه الخلفية، الأمرالذي كان يُثير استغراب من تتسنّى له زيارة دمشق.

وبدا أن افتعال هذه الضجة، التي تولّتها سفارات أوروبية معتمدة في سوريا، وراءه ما وراءه، إذ عمد الأسد الى تغيير شبكة حرّاسه، ومن ثم فككت السلطات السورية ما سمّته الأوساط الاوروبية "شبكة إيرانية" كانت تسيطر على شبكة الإنترنت الخاصة بالجيش السوري، قبل أن تقع عملية اغتيال رجل إيران الأقوى في لبنان وسوريا عماد مغنية، التي تسترا بالتحقيق فيها، جرى التخلص من شبكة إيرانية داخل سوريا، بحجة تعاملها مع إسرائيل ـ قاتلة مغنية، ومن ثم تمّ تهميش دور"المتشدد" فاروق الشرع، بحيث أصبح مجرد وجه بروتوكولي بعدما كان عمليا يقود السياسة الخارجية لبلاده، من موقع نائب رئيس الجمهورية، الأمر الذي يماثل الوضعية التي كان فيها عبد الحليم خدام، عشية استقالته من منصبه ومن حزب البعث… غير الحاكم.

وكان لافتا للإنتباه أنّه غداة عودة الأسد من باريس وفيما كانت طائرته تهمّ بالإقلاع الى طهران، جرى اغتيال مستشاره الأمني والعسكري العميد محمد سليمان، ومع أنّ الرئيس السوري إتّهم أمام رئيس الجمهورية اللبنانية العماد ميشال سليمان "الإرهابيين الذين يتحركون عندكم" بهذه الجريمة، فإن التقارير لم تُسجّل أيّ هجمة تُذكر على الإسلاميين في سوريا، لا بل أن الاسد بدل أن يعود الى دمشق لمتابعة وضعية أمنية خطرة لأنها من حيث المبدأ وصلت الى باب قصره، فإنه اصطحب زوجته إلى منتجع تركي، حيث التُقطت له صورة، في مشهد ذكّر أحد المسؤولين في لحظة استرخاء، بالرئيس السابق أميل لحود، بُعيد اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

وفي ظل هذا المشهد السوري الذي يبقى مجرد الرأس الظاهر لجبل الجليد، بفعل انعدام الشفافية، جاءت القمة السورية ـ الفرنسية فالقمة التي جمعت الى سوريا محوراً أطلسياً بامتياز، يضم فرنسا(بوابة الغرب) وتركيا (بوابة العالم الإسلامي) وقطر(بوابة العالم العربي) حيث أوصلت دمشق رسالة الى الجميع: أنا فعلا تغيّرت.

التمسك السوري بلبنان

وهذا يعني أن الأسد لم يعد، من وجهة نظره، في الوضعية التي كان عليها في تقويم "حزب الله".
إلا أن هذا التطور الإستراتيجي، لا يسمح لأي مراقب باستشراف خروج سوري من المعادلة اللبنانية، بل العكس هو صحيح، لأن الخبرة التي اكتسبها الأسد، منذ العام 2004، أكدت له أنّ لبنان مهم بذاته وليس كما كان يُنظّر له الشرع بأنه مهم، كموضوع مقايضة لا غير.
ولأن لبنان مهم بذاته، ومن يملك قوة تأثير في معادلته يُمكن أن يستثمرها حضورا في المجتمع الدولي، فإن الأسد سيُحاول، مهما كلّفه الأمر، أن يُمسك وحيدا بما كان يُمسكه سابقا مع إيران، ما يعني أن حربا باردة سورية ـ إيرانية انطلقت في لبنان بأفق السيطرة على قوى الثامن من آذار، بما في ذلك "حزب الله".

وخلافا لما يمكن أن يتوهمه البعض، فإن الأسد لن يعمل على تفكيك "حزب الله"، بل على وضعه في خدمة دمشق حتى لو كانت على خلاف مع إيران، وفق النموذج الذي أنجزه الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد بالقوة التي وصلت الى حدود ارتكاب مجازر بحقه (ثكنة الشيخ عبد الله نموذجا).

الخطأ القاتل في ملف العريضي

وفي انتظار الأدلة الجنائية، فإنّ موقع جريمة اغتيال الشهيد صالح العريضي، من حيث القراءة السياسية، لا يمكن أن يخرج عن هذا الإطار، لأن كلاً من الوزير طلال إرسلان والنائب وليد جنبلاط يسيران في مصالحة يوافق عليها "حزب الله" الذي لم يعترض على تهميش "سوريي الجبل"، وهذا ما يطلب الأسد من إرسلان الإقلاع عنه.

ويبقى السؤال: ما هي أوراق قوة الأسد في لبنان لتطويع "حزب الله" ولاسترداد أدواته التقليدية من "حزب الله"؟
ويبقى الجواب: إستسهال ارتكاب الجريمة.

وثمة من يعتقد أن إشارتين أظهرتا قوة الأسد. الأولى تجلّت، عندما ارتفع الصوت صارخاً بوجوب إحالة ملف العريضي على المجلس العدلي، كتغطية عن الصوت الذي كان يُفترض أن يرتفع ـ وهنا التحدي ـ للمطالبة بإحالة ملف العريضي على لجنة التحقيق الدولية. أما الإشارة الثانية، فكانت عندما وافق "أهل" الشهيد على تقديم الغطاء الإسرائيلي للأسد ليتستر به لاحقاً للإجهاز بالطريقة نفسها على كل من يتمسك بالخيار الإيراني على حساب الخيار السوري.

في مقابلاته الكثيرة مع الصحافة الفرنسية قبل وصوله الى دمشق قال الأسد: ليس لسوريا أعداء دائمون في لبنان.
في تلك المقابلة ذكّر من يريد أن يقرأ بأن سوريا سبق لها ان تواجهت مع "حزب الله".

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل