#dfp #adsense

الاغتيال والإرهاب والمتغيرات على الساحة اللبنانية

حجم الخط

الاغتيال والإرهاب والمتغيرات على الساحة اللبنانية

يثير اغتيال صالح العريضي أحد أنصار طلال ارسلان مخاوف جمة، بشأن عودة الاغتيالات الى الساحة اللبنانية، بعد أن حاول اللبنانيون نسيانها لحوالي العام. وقد أراد النائب وليد جنبلاط "تنوير" الجمهور بشأن من يمكن أن يكون وراء الاغتيال بالاشارة الى التهدئة والمصالحة بطرابلس، والكلام الايجابي المتبادل بين السيد حسن نصرالله، والنائب سعد الحريري. فالذين لا يريدون الهدوء والاستقرار بلبنان على مشارف العودة للحوار الوطني برئاسة رئيس الجمهورية هم الذين لهم مصلحة في القيام بهذه الأعمال.

والواقع أن هذا الحادث بالذات، رغم أن الضحية ليست شخصية رئيسية، له دلالات كبيرة فمن أكثر من عام توقع كثيرون أن تحدث اغتيالات لدى "المعارضة" آنذاك، تكون مبرراً للتصعيد السياسي والأمني.. اذ منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وبروز تحالف 14آذار، ظلت الاغتيالات تحدث في صفوفه، وقد اختلفت مواقف المعارضة (السابقة) من هذا الأمر.

في البداية كان الاستنكار عاليَ الصوت، ثم تراجع ذلك مع ازدياد الانقسام السياسي، الى أن وصل الأمر الى حدود التشفي أو التسويغ. ولأن التصوير الإعلامي وقتها كان أن قوى 14 آذار مستأثرة ومتفردة بالسلطة"، فقد كان من المنطقي ان يتبلور مشهد "الضحية" لدى المعارضة، ولن يحدث ذلك دونما اغتيالات أو تفجيرات تعطي هذه الصورة صدقية. وما حدث شيء من ذلك، ثم كان اغتيال عماد مغنية بدمشق، وكان دخول بيروت بالسلاح، وكان مؤتمر الدوحة، على وقع التفاوض السوري غير المباشر مع اسرائيل. وبذلك فقد تغيرت مواقف ومواقع سائر الأطراف، وبخاصة أطراف المعارضة.

وأولى المتغيرات أن المعارضة ما عادت كذلك، وصارت جزءاً من السلطة رسمياً، فضلاً على أنها ما كانت أبدا خارجها. والمتغير الاخر ان المصالح السورية او الاولويات لم تعد هي نفسها أولويات حزب الله في سائر المسائل، وبخاصة على الساحة اللبنانية. وقد ترتب على ذلك تحير وارتباك لدى حلفاء سوريا التقليديين الذين صار عليهم أن يختاروا بين سوريا الاسد وحزب الله. وقد صار واضحاً الآن أن سوريا تحرك الاحداث الأمنية بالشمال، دون المناطق الاخرى، كما انها تحاول التدخل سياسياً عبر عدة أطراف ليس منها حزب الله وحركة أمل. ومما له دلالاته أن الحزب رحب بالمصالحة في طرابلس، وأبدى استعدادا للتقارب مع تيار المستقبل والنائب سعد الحريري.

وقد كان ذهاب النائب الحريري الى البقاع مضيئاً في هذا الاتجاه، لأن منطقة البقاع الاوسط بالذات صارت بؤرة توتر شيعي/سني. ويظهر تخوف الآن لدى النظام السوري، ولدى الجنرال عون، وربما لدى أطراف اخرى من إمكانية التقارب بين حزب الله وتيار المستقبل، أي بين السنة والشيعة. الرئيس السوري كان قد عبر عن ذلك بملاحظاته بشأن طرابلس والتطرف، والجنرال عون بقوله انه يفضل إقرار قانون الانتخابات في مجلس النواب قبل انعقاد الحوار الوطني الذي دعا اليه رئيس الجمهورية ليوم 16/9/2008. وكان الجنرال نفسه قد قال تعليقاً على وثيقة التفاهم بين حزب الله وبعض سلفيي طرابلس قبل أسبوعين، انه بمثابة اللقاء بين الملائكة والشياطين!.

وهكذا يمكن القول إن الجهة أو الجهات التي كانت تمارس الاغتيال ضمن قوى 14 آذار هي نفسها التي تمارس الاغتيال الآن ضمن قوى 8 آذار السابقة. ذلك أن أطراف تحالف 8 آذار تتعرض لتغير في المواقف نتيجة متغيرات العلاقة بين حزب الله والنظام السوري.

هل يكون حادث الاغتيال هذا فريداً أو يتحول الى "مسلسل" مثل مسلسل الاغتيالات السابقة؟ الدول التي ترعى "إعادة التموضع" السورية قالت من قبل إن التخلي عن شر الاضطراب والاغتيال هو جزء أساسي في هذه العملية "التاريخية". لكن الأطراف المشاركة قد لا تعتبر ذلك اخلالاً بالعملية، باعتبار الأمر جارياً بين أبناء المعسكر الواحد أو البيت الواحد. فهو يمكن أن يكون إنذاراً لطلال أرسلان بعدم نقل البندقية من كتف الى كتف.
وعلى أي حال، لا يمكن الجزم بهذا المسار أو ذاك في ما يتعلق بالاغتيالات.

إنما الذي يمكن الجزم به أن متغيرات التموقع والتموضع السوري لا عودة عنها ولا فيها، في حين أن علاقات النظام السوري بلبنان ستظل بيئة للتوتر بسبب المرحلة السابقة واشتباكاتها التي لا يستطيع النظام السوري الخروج منها أو عليها، بسبب خطورة رهاناته في تلك المرحلة والتي لا يقع في يده خيار الخروج منها أو عليها الآن. ومن بين ما لا يستطيع ذاك النظام الخروج منه او عليه: الإصرار على "حصة" محفوظة له ذات حجم معين بعد الخروج العسكري، كما يظهر من طريقة حديث الرئيس الاسد مع الرئيس اللبناني، وكما يظهر من التأكيد على "الانضباط" بالقوة من جانب الحلفاء والانصار والأمر الثاني: المحكمة ذات الطابع الدولي باغتيال الرئيس الحريري والشهداء الآخرين، وللنظام السوري علائق عاصفة بها، ستظل تؤثر على طرائق تعامله مع الساحة اللبنانية ـ والأمر الثالث: إمكان استخدام لبنان بكافة طوائفه لإرسال رسائل من طريقه الى العرب والعالم ـ والأمر الرابع: اسهام نفوذه في لبنان (وان بشكل جزئي) في خدمة مسألة التفاوض مع اسرائيل.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل