إستراتيجية دفاع أو استراتيجية شاملة للأمن القومي؟
إخترت هذا العنوان لمقالي لأن استراتيجية الدفاع عن لبنان، من وجهة نظر "حزب الله"، وإن لم يسلم جهاراً بها، إرتبطت وترتبط حصراً بالدفاع العسكري عنه في مواجهة العدو الصهيوني ضمن إطار الصراع المصيري للأمة الإسلامية جمعاء (لذا وصف الحزب المقاومة بالإسلامية في لبنان – أي أنها جزء من كل – وليس حتى بالإسلامية اللبنانية) بهدف يعلن عنه أحياناً ثم ما يلبث أن يتراجع عنه، ألا وهو تدمير دولة إسرائيل، كل ذلك ضمن أفق ثورة إسلامية تعم المعمورة، تماماً كما كانت الحركة الشيوعية في أيام عزها.
إخترت هذا العنوان لأن استراتيجية الدفاع باتت تعني في ذهن العامة كيفية مواجهة إسرائيل حصراً، في حين أن الأخطار التي تتهدد لبنان في أمنه واستقراره متعددة متنوعة، متداخلة التأثير، والخطر الإسرائيلي واحد منها، وإن كان من أهمها.
لذا، لبنان بحاجة إلى استراتيجية شاملة للأمن القومي، أي أنه بحاجة إلى مجموعة سياسات وأساليب وأدوات (إدارية وعسكرية وأمنية،…) لحماية لبنان من الأخطار الخارجية ( الدولية والإقليمية) والداخلية التي تتهدده.
ثمة صراع دولي إقليمي يدور في منطقة الشرق الأوسط الكبير حيث تتركز فيها أهم التناقضات التي تهدد السلم والإستقرار والأمن في العالم: التناقض العربي – الإسرائيلي والإسلامي – الإسرائيلي (بكل تلاوينه)، التناقضات الدولية – الإقليمية حول السيطرة على منابع الطاقة (تحتوي المنطقة حوالى 70% من مخزون النفط والغاز في العالم)، التناقضات بين الحركات الإسلامية المتشددة على إختلاف مشاربها مع الغرب المسيحي خاصة والعالم غير المسلم عامة، التناقض السني -الشيعي بين دول المنطقة وداخلها، التناقضات الناتجة عن الملف النووي الإيراني وتلك التي قد تنتج عن عدم إستقرار باكستان النووية، التناقض العربي – الفارسي، التناقض بين المحور الإيراني – السوري والقوى الدولية والإقليمية التي تتزعمها الولايات المتحدة، الملف العراقي، الملف الفلسطيني…. وتطول اللائحة.
ولبنان في قلب هذه المنطقة التي تختزن هذا الكم من التناقضات الخطيرة والمتفجرة. ولكن دول المنطقة تعيش الحال ذاتها وهي آمنة ومستقرة نسبياً: هذه هي حال دولتي مصر والأردن المتصالتحين مع إسرائيل كما هي حال سوريا التي لاتزال في عداء مع اسرائيل.
مشكلة لبنان تكمن في عدم قدرة اللبنانيين على إدارة حسنة لتكوينهم الداخلي المتعدد والمتنوع طائفياً ومذهبياً، مما يسمح لهذه التناقضات الخارجية أن تنساب اليه فيتحول إلى ساح تدور فيه الحروب بالإستنابة ويرسل اللاعبون الدوليون والإقليميون عبره الرسائل السياسية والعسكرية والأمنية إلى بعضهم بعضاً.
ولأن الحال هي على هذا النحو، الدولة والكيان في لبنان في خطر. فالدولة هي الدستور والقوانين والأنظمة والمؤسسات الدستورية والعسكرية والأمنية والقضاء والإدارة، وليست مجوعة القوى السياسية التي تديرها، علماً أن النظام الديموقراطي التوافقي اللبناني يؤمن الشراكة السياسية السوية بين كل الأطياف اللبنانية وعلماً أن الأقلية هي اليوم شريكة في إدارة الدولة. فأية دولة في أي بلد تملك حصرية إمتلاك السلاح وحصرية قرار إستخدامه وحصرية قرار الحرب والسلم. والدولة التي تمثل الجميع تسيطر سيطرة كاملة وحصرية عبر الجيش وقواها الأمنية على كامل التراب الوطني. فالسلاح في يد أي حزب أو تنظيم لبناني أو غير لبناني، وتحت أي يافطة أو شعار (مقاومة، أمن ذاتي، ميليشيا، الدفاع عن النفس أو عن الطائفة او المذهب…) يناقض وجود الدولة بالذات ويبرر وجود المربعات الأمنية التي تتحول موضوعياً إلى واحات للخارجين عن القانون والإرهابيين الذين يتسربون إلى لبنان عبر الحدود والمرافئ الصعبة الضبط.
بالإضافة إلى أن وجود السلاح في يد هذا الطرف يبرر وجوده في يد الطرف الآخر، خاصة في ظل تداخل التناقضات الخارجية مع التناقضات الداخلية، فتكون النتيجة تسيباً أمنياً قد يتحول إلى حرب أهلية فضلاً على أن الغلبة الشيعية في ما يخص موضوع السلاح تخل موضوعياً بالتوازن الوطني والسياسي بين الطوائف والمذاهب وبالتالي تضرب ميثاق العيش المشترك والطائف والدستور وبالتالي تضع الكيان اللبناني في حالة خطر وجودي.
ولكن الخطر الأكبر يتأتى من تصاعد وتيرة تسلح "حزب الله" كماً ونوعاً. وقد كرر العدو الإسرائيلي إشارته إلى هذا الأمر وتحذيره منه معتبراً أنه يخل بالتوازن الإستراتيجي وهدد بالرد القاسي معتبراً أن لبنان كله مقاومة كما جاء في البيان الوزاري. أما "حزب الله"، فأكد على أمر تسلحه، واضعاً إياه في إطار الدفاع عن لبنان وإستراتيجية المقاومة القائمة على مبدأ توازن الرعب وإمكان إلحاق الضرر البالغ بالعدو، مما يردعه من معاودة أية مغامرة، وقد هدد بتدمير دولة إسرائيل على لسان السيد حسن نصر الله.
ويعتبر الحزب أن إسرائيل باتت عاجزة عن شن حرب جديدة على لبنان بعد خسارتها حرب2006 وبعد فشل المشروع الأميركي في المنطقة.
غير أن إسرائيل التي تعتبر أن صواريخ "حزب الله" تشكل جزءاً من ترسانة جبهة تمتد من إيران مروراً بسوريا وصولاً إلى غزة ولبنان، ترى في "حزب الله" المستقل في حراكه العسكري والأمني عن الدولة اللبنانية، تهديداً ذا شأن لأمنها. لذا، فإن سياسة توازن الرعب التي ينتهجها "حزب الله" سوف تؤول لا محالة، عاجلاً أو آجلاً ( والأرجح عاجلاً!)، إلى حرب مدمرة للبنان، حتى لو إنتصر الحزب على إسرائيل.
ثمة علاقة جدلية بين تصاعد تهديد "حزب الله" لإسرائيل وتصاعد تهديد إسرئيل لـ"حزب الله" تفرضها سياسة توازن الرعب، وهي تؤدي حتماً إلى تدمير لبنان، بالإضافة إلى الأضرار الاقتصادية والاجتماعية التي تفرضها مثل هذه الإستراتيجية المرتكزة أساساً على أولوية العامل العسكري وبالتالي التي تضع البلاد في حالة عدم إستقرار، مما يحرم لبنان من الإستفادة من الثورة النفطية الحالية والفائق المالي التي تتمتع به الدول العربية.
لا شك في أن دولة إسرائيل هي العدو الوحيد للبنان ولكن لا شك أيضاً في أن المخاطر على أمنه وإسقراره متعددة المصدر. وإذا كانت الصهيونية العالمية قد حلمت بدولة يهودية بين النيل والفرات، فإن من المؤكد أن هذا الحلم قد زال نهائياً من ذهن الإسرائيليين. ومن المؤكد أن العودة إلى اتفاقية الهدنة لسنة 1949 سوف تعيد إسرائيل إلى إستراتيجية تجاه لبنان تختصر بتأمين أمن حدودها الشمالية ليس إلا، كما كانت عليه الحال قبل عام 1967، عام إنطلاق العمل الفلسطيني من لبنان.
لذا، أية إستراتيجية شاملة للأمن القومي يجب أن ترتكز على توافق اللبنانيين على المسلمات التالية:
أولاً، الإلتزام الحقيقي وليس اللفظي باتفاق الطائف، نصاً وروحاً، وبكل مندرجاته، لأن الإلتزام به على هذا النحو يحسم الكثير من الإشكالات الذي يتم حتى الآن تناولها بتجاهل هذا الاتفاق أو تخطيه أو عدم معارضته لفظياً.
ثانياً، الإلتزام بالدستور وإنتظام العمل في المؤسسات الدستورية للدولة، بحيث تشعر كل اطياف اللبنانية أنها تشارك في السلطة وأنها ليست مستهدفة وأن الدولة تمثل مصالح الشعب بأجمعه.
ثالثاً، الإلتزام بتنفيذ كل القرارات الدولية ذات الصلة بلبنان، ولاسيما القرار 1701 الذي يدعو للعودة إلى إتفاقية الهدنة لسنة 1949 المعدلة واقعاً لمصلحة لبنان بعد تحقيق الهدنة العسكرية وتحرير مزارع شبعا، وذلك اسوة باتفاق الطائف.
رابعاً، إعتبار إسرائيل العدو الأوحد للبنان واعتبار لبنان جزءاً لا يتجزأ من العالم العربي. موقع لبنان في الصراع العربي – الإسرائيلي هو على النحو التالي: لا يصح أن يكون لبنان رأس رمح هذا الصراع، يقاتل منفرداً العدو في حين أن الدول العربية تنعم بسلام أو بهدنة مع إسرائيل، كما لا يصح للبنان أن يخرج نفسه من ساحة القتال عند حدوث حرب عربية – إسرائيلية كما حدث عام 1967. الصحيح هو أن يساهم لبنان بأي حرب تنشب بين العرب مجتمعين وإسرائيل، وذلك وفق خطة شاملة يكون مساهماً في وضعها إسوة ببقية الأخوان العرب ووفقاً لقدراته العسكرية المتوافرة.
خامساً، دعم المطالب العربية المحقة ولا سيما تحرير الجولان وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة في الضفة والقطاع وعاصمتها القدس على قاعدة تنفيذ القرارين 242 و338 وعلى أساس المبادرة العربية للسلام.
سادساً، إخراج لبنان نهائياً من لعبة المحاور العربية والإقليمية والدولية القاتلة والتي يشكل إنخراط الأطراف اللبنانية فيها أحد أهم عوامل عدم الإستقرار في الوضع اللبناني. وعليه، ومع إحترام جميع إلتزاماته العربية والدولية، على لبنان أن يعلن أنه ليس طرفاً في أي من المحاور العربية أو الإقليمية أو العربية، وأنه يرفض أن يكون مسرحاً أو أداة لنزاعات تلك المحاور. فلا إستهداف لسوريا أو لإيران من خلال الساحة اللبنانية ولا هزيمة لاميركا أو السعودية أو مصر في لبنان.
سابعاً، التأكيد على رفض التوطين وتحسين الوضع الإنساني والمعيشي للاجئين الفلسطينيين في انتظار حل قضيتهم.
ثامناً، اتخاذ قرار بضرورة تسليم الفلسطينيين سلاحهم بدءاً بسلاحهم خارج المخيمات.
تاسعاً، تنقية الأجواء السورية – اللبنانية من شوائب الماضي الأليم وصولاً إلى بناء العلاقات المميزة المنصوص عنها في الطائف والمبنية على الود والندية والإحترام المتبادل الفعلي لسيادة واستقلال كل من لبنان وسوريا.
عاشراً، وضع خطة شاملة من قبل الجيش اللبناني لتسلم السلاح من جميع الأطراف اللبنانية والفلسطينية، يبدأ تنفيذها فور وضعها بالنسبة لكل الأطراف بإستثناء "حزب الله"، حيث لا يمكن بدء تسليم سلاحه قبل إخراج العدو الإسرائيلي من مزارع شبعا وقبل تأمين سلامة وأمن قيادة "حزب الله" والناشطين فيه من ناحية التدابير الأمنية من جهة كما من ناحية إعتبار الدولة اللبنانية أن أي إعتداء على فرد من "حزب الله" هو بمثابة إعتداء على لبنان كله. على أن يواكب وضع هذه الخطة وضع قيادة الجيش إستراتيجية دفاع عسكرية عن لبنان في مواجهة العدو الإسرائيلي، آخذة في الإعتبار الأسلحة التي سوف تتسلمها من كل الأطراف ولا سيما "حزب الله"، وإدخال أساليب وتكتيكات وخبرات المقاومة في صلب إستراتيجيتها الدفاعية.
بالتأكيد، إن إقرار إستراتيجية شاملة للأمن القومي كهذه تتطلب توافر إرادة وطنية لبنانية صادقة من كل الأطراف اللبنانيين، وخاصة من "حزب الله" لإمتلاكه أكبر ترسانة سلاح، وقد يعتبر البعض أن توافرها هو بمثابة حلم لن يتحقق. ربما هذا التقدير صحيح، ولكنه إذا صح، فهذا يعني أن خلاص لبنان مؤجل إلى أن تحدث الكارثة! ولكن، عندها فقط نعلم ما هو مصير لبنان.