#adsense

بين المصالحات والرسائل بالدم

حجم الخط

بين المصالحات والرسائل بالدم…

لعل الموقف الحاسم في الاصرار على المضي قدماً في المصالحة والانفتاح شكّل الرد الأقوى والأفضل من كل من الوزير طلال ارسلان ورئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط على جريمة اغتيال القيادي في الحزب الديموقراطي اللبناني صالح العريضي. وبدا واضحاً أن "مصالحة الجبل" كانت الهدف المباشر لمرتكبي الجريمة ومعها تصيب أهدافاً أخرى في مقدمها المصالحة على المستوى الوطني والتي بدأت في طرابلس على أن تستكمل في سائر المناطق. وكل ذلك في موازاة معاودة جلسات الحوار الوطني الثلثاء المقبل في القصر الجمهوري بعد طول غياب، بدعوة من الرئيس ميشال سليمان.

وكان لافتاً، وسط هذه الأجواء، أن أصواتاً بدأت تصوّب على جلسات الحوار قبل بدايتها، مثل القول ان لا فائدة من الحوار قبل الانتخابات النيابية وما شابه، وكأنها تربط سلفاً بين نتائج الحوار ونتائج الانتخابات، بمعنى أن الاكثرية التي ستنبثق منها تتخذ القرار الذي تراه مناسباً. فماذا لو لم تكن "الاكثرية الجديدة" من الفريق الذي ينتمي اليه أصحاب هذا الموقف؟ وهل يعني ذلك أن "الفريق الآخر"، وهو الاكثرية الحالية، سيكون له الحق في اتخاذ القرار نيابة عن الجميع؟ وهل لديه هذا الحق الآن وفق هذا المنطق؟ ولمَ الحوار إذاً؟

وهذا التصويب على الحوار يقود الى سؤال بديهي هو: هل أن جميع اطراف الحوار جادون في السعي الى نتائج ايجابية، أم ان بعضهم سيلبي الدعوة من باب رفع العتب وتقطيع الوقت؟

واذا كان العنوان الأكبر على طاولة الحوار هو "الاستراتيجية الدفاعية" والتوصل الى فهم مشترك لسبل الافادة من امكانات المقاومة العسكرية وخبراتها في الدفاع عن لبنان وفي مواجهة أي اعتداء اسرائيلي محتمل، فهل ما يحول دون الفصل بين هذا العنوان والانتخابات النيابية؟

لعل الربط بينهما، يستبطن، ومن حيث لا يدري اصحابه، إساءة الى موقف "حزب الله" الحريص على النأي بسلاح المقاومة عن الشؤون السياسية الداخلية، والانتخابات أبرز محطاتها المفصلية، وعلى عدم استعماله أداة ضغط فيها.

غير أن ذلك لا يعني عدم التوقف عند التوقيت. فتزامن الحوار مع اقتراب موعد الانتخابات يجعل منطقياً عدم اسقاط احتمال تأثير هذا التزامن على مسار الحوار. ولكنه في الوقت نفسه لا يبرر وقفه وتأجيله الى ما بعد الانتخابات، ولا سيما أن الاجواء المحلية تبدو مؤاتية للحوار أكثر من أي وقت، سواء على المستوى الثنائي، أو الوطني. فإلى التقارب الواضح والمضطرد بين جنبلاط والامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، ثمة معطيات تشير الى أن لقاء بين السيد نصرالله ورئيس كتلة "المستقبل" النائب سعد الحريري لم يعد بعيداً، وثمة من يرى أنه بات قاب قوسين أو أدنى، وإن تكتمت على موعده مصادر الطرفين، وهذا طبيعي لأسباب كثيرة أولها العامل الأمني. وكل المعطيات والمواقف تؤكد أنه قيد التحضير الجدي. ومن شأن هذا اللقاء الذي يحلو لبعضهم تسميته "لقاء القمة"، مدعوماً ومحصناً بإنجاز المصالحة في طرابلس وتعزيز خطواتها وترسيخها في البقاع، أن يقلب الاجواء رأساً على عقب وينعكس ارتياحاً على كل المستويات. ومن شأنه بالتأكيد تحقيق أوسع انفراج على المستوى الشعبي، وقد عانت البلاد الأمرين من حملات التعبئة والشحن والتحريض التي تركت أسوأ الانعكاسات في أوساط الناس.

وكل هذه المصالحات، من شأنها أن تعزز الحوار الوطني وتزيد من أسباب نجاحه، وتحد من تأثير محاولات إطاحته من خلال الرسائل بالدم وآخرها كان استهداف أحد رموز الحوار في الجبل وأحد أبرز قياديي الحزب الديموقراطي اللبناني والأقرب الى رئيسه الامير طلال ارسلان، الشيخ صالح العريضي.
وتفيد التجارب على مر السنين أن الرسائل التي تكتب بالدم، لم تكن يوماً أقوى من المصالحات اذا كانت مبنية على أسس متينة، ولن تكون أقوى من الحوار الوطني اذا كان المشاركون فيه جادين حقاً في الوصول الى وفاق حقيقي.

رحم الله الرئيس الشهيد رشيد كرامي الذي كان من أبرز دعاة الحوار والتفاهم. وكان يردد دائماً القول المأثور: "الناس صناديق مقفلة مفاتيحها التجاريب"!

المصدر:
النهار

خبر عاجل